الإمارات اليوم

يهددون احترافية المؤسسات العسكرية

الإرهابيون يخترقون جيوش الدول الغربية

:
  • عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة - أبوظبي
  • «داعش» استقطب 30 جنديّاً ألمانيّاً متقاعدين. أرشيفية
  • الجيش الأميركي. أرشيفية
  • الجيش الفرنسي. أرشيفية

كشف إلقاء القبض على عناصر منتمية للنازيين الجدد بالجيش البريطاني، في سبتمبر 2017، عن تصاعد اختراق التنظيمات الإرهابية للجيوش في الدول الغربية. فعلى الرغم من تركيز معظم التحليلات على مشكلات تفكك الجيوش الوطنية في دول الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط، فإن ثغرات عدة في الاحترافية العسكرية للجيوش بالدول الغربية، سمحت للتنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة باختراقها، وتجنيد بعض المجندين والضباط، أو دس بعض العناصر الإرهابية ضمن صفوفها، ماً دفع الدول الغربية إلى مراجعة آليات التجنيد والتدريب، والتأهيل الفكري والنفسي داخل المؤسسات العسكرية.

ثغرات «الاحترافية»

ظهر مفهوم «الاحتراف العسكري» (Military Professionalism)، لأول مرة، في إطار علم اجتماع الجماعات المهنية، ثم انتقل بعد ذلك إلى المجال العسكري، ويُشار إليه باعتباره نظاماً قيميّاً هدفه تحقيق الضبط والسيطرة المهنية، من خلال تحديد معايير لما يجب أن يكون عليه الأداء في مجال التخصص. وعليه، فقد كان للمعرفة والتخصص الوظيفي دور كبير في تعريف الجماعة المهنية وهويتها الجماعية.

وبدأ الحديث يتصاعد حول معايير الانضباط العسكري، والقواعد المنظمة للمؤسسات العسكرية، في ظل اتجاه الجيش الأميركي لتجنيد المرتزقة والمتطوعين، بيد أن الجوانب القيمية عادت للظهور مجدداً في تعريف هذا المفهوم، بحيث أصبح للقيم والمعتقدات دور في تحديد الهوية الجماعية، وأصبح للقومية والوطنية دور رئيس في تشكيل الاحترافية لدى الجندي، وتكاد معظم الأدبيات تتفق على أنه يمكن تحديد درجة احترافية المؤسسة العسكرية من خلال النظر إلى: الممارسات والعلاقات والقواعد المنظِّمة داخل المؤسسة العسكرية، والأدوار التي تقوم بها الجيوش.

كماً يجادل البعض بأن درجة «الاحترافية العسكرية» هي ما تؤدي إلى انخراط الجندي داخل الجيش، وعدم قيامه بأعمال تخالف أو تتعارض مع هذا الالتزام، على غرار القيام بأعمال تخريبية تهدد مصالح الدولة، والانضمام للجماعات الإرهابية، وقد تقود ثغرات «الاحترافية العسكرية» إلى الخروج عن الولاء، والتحول إلى مصدر تهديد محتمل للدولة، وهو ما يمكن توضيحه في ما يلي:

1- الولاء للدولة

حصد الثمار

تشير آليات الاختراق السابقة إلى أن المؤسسات العسكرية الغربية تبذل أموالاً وجهداً، وتوفر العتاد والتدريب للقوى البشرية، لتأتي التنظيمات الإرهابية لتحصد ثمار هذه الجهود دون أدنى عناء من جانبها، نتيجة وجود عناصر تتبنى الفكر المتطرف داخل المؤسسات العسكرية الغربية، بالإضافة إلى معاناة بعضهم من الاغتراب، وضعف الانتماء والاختلالات الهيكلية في نظم التجنيد والتأهيل بالمؤسسات العسكرية الغربية.

قام «صمويل هنتنغتون»، في كتابه الشهير «الجندي والدولة» الصادر عام 1957، بالإشارة إلى ما يُعرف بـ«العقلية العسكرية»، ووضعها كشرط مسبق لتحقق الكفاءة العسكرية، محدداً لها سمات عدة يأتي على رأسها: الإيمان بأن الدولة هي التنظيم السياسي الرئيس، ولعل هذه السمة هي ما أقام علاقة مباشرة بين نشأة المؤسسات العسكرية الاحترافية، والدولة المدنية الحديثة.

ولتحقيق هذا المعيار يجب أن يكون هناك توازن في تركيبة المنتمين للمؤسسة العسكرية، إذا كانت خلفياتهم الإثنية والعرقية غير متجانسة، والأصل في الأمور أن اختلاف الانتماء الإثني والعرقي لا يفترض أن يشكل تهديداً لوحدة المؤسسة، إذا كانت الهوية الوطنية تسمو على الولاءات الفرعية، وطالما أن عملية التجنيد العسكري والترقي الداخلي، ونمط العلاقة مع النظراء (العلاقات الأفقية)، أو مع الرؤساء (العلاقات الرأسية)، لا ترتبط بمعاملة تمييزية لفئة على حساب أخرى، فإن هذا سيجعل الجندي يميل إلى إنكار ذاته في سبيل تحقيق الصالح العام، والدفاع عن الوطن، والعكس صحيح.

2- القواعد المؤسسية

يمكن تقسيم القواعد المؤسسية، التي تحكم عمل المؤسسات العسكرية إلى أربع قواعد أساسية: آليات الالتحاق بالمؤسسة العسكرية، ونظم الترقي الداخلي، والانضباط والأداء العسكري، وأخيراً آليات التسريح من الخدمة.

وتتحول هذه القواعد المؤسسية من قواعد ضابطة إلى ثغرات تستغلها التنظيمات الإرهابية في بعض الحالات، على غرار قيام بعض التنظيمات الإرهابية بوضع بعض الأفراد المتعاطفين معها داخل صفوف الجيوش، وهو ما حدث مراراً داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، كماً سيلي بيانه، بالإضافة إلى أن إهمال القواعد المنظِّمة للترقية والتسريح يؤدي - في بعض الأحيان - إلى احتقان الجنود، وهو ما قد تحاول استغلاله بعض التنظيمات الإرهابية لتجنيد هؤلاء العناصر المحترفة.

3- التفوق العسكري

تسعى الدول باستمرار لتعزيز قدراتها العسكرية المادية والتقنية، وتحاول التنظيمات الإرهابية التوصل إلى التقنيات الحديثة نفسها لمواجهة الجيوش النظامية. فقد عُثر مسبقاً على كتيبات تدريب عسكري، خاصة بالجيش الأميركي في غرفة أحد الإرهابيين. كما قد تحاول استعراض قوة مزعومة في بعض الأحيان، إذ تقوم - على سبيل المثال - بعمليات اختراق إلكتروني للمؤسسات العسكرية، بهدف زعزعة ثقة الرأي العام بقدرة هذه المؤسسات على أداء دورها الحمائي، وفي حالة ضعف الجيش وتراجع قوته لصالح بعض التنظيمات، فإن هذا قد يدفع بعض الجنود إلى الانضمام إلى الطرف الأقوى.

آليات الاختراق

يُمكن رصد آليات أساسية عدة، تعتمد عليها التنظيمات الإرهابية في اختراق المؤسسات العسكرية الغربية، وذلك على النحو التالي:

1- انضمام الإرهابيين

كشف مسؤولون في جهاز مكافحة التجسس العسكري الألماني في نوفمبر 2016، أن هناك جماعات إرهابية تُرسل أفرادها للانضمام إلى الجيش الألماني، بغرض حصولهم على تدريب محترف، واكتساب القدرة على التعامل مع كل الأسلحة، كما تم التوصل إلى أن هناك 20 عنصراً متطرفاً يعملون في أجهزة الجيش المختلفة، بالإضافة إلى الاشتباه في انتماءات ماً يزيد على 60 آخرين، كما سبق وانضم 30 جنديّاً ألمانيّاً متقاعدين إلى تنظيم «داعش» في سورية والعراق.

وقد استفاد «داعش» من مرونة قواعد التجنيد والالتحاق بالجيش الألماني، التي بموجبها يحق لأي فرد التقدم بطلب تجنيد، مع تقديمه شهادة حسن سير وسلوك شرطية، وإعلان التزامه بالدستور الألماني دون الحاجة إلى أي إجراءات إضافية، ومن ثمّ تمكن تنظيم «داعش» من زرع موالين له داخل الجيش الألماني لتعزيز قدراته، وهو بذلك يوظف ثغرات الاحترافية العسكرية المؤسسية، ويستطيع التنظيمُ الاستفادةَ من هذه العناصر المنضمة في التجسس على أعمال الجيش، واستقطاب جنود آخرين، كما يضمن ولاءهم.

2- استقطاب الجنود

تسعى التنظيمات الإرهابية إلى تجنيد هذه العناصر للعمل لصالحها، وقد تتم الاستفادة منهم في تنفيذ أعمال محدودة النطاق. فعلى سبيل المثال، قام «يوناثان ميلاكو» الضابط في البحرية الأميركية بإطلاق النار على عددٍ من المواقع الحيوية، منها: المتحف الوطني لقوات البحرية الأميركية، والبنتاغون، وبعض محطات التجنيد التابعة للجيش، وذلك في الفترة من 17 أكتوبر 2010 إلى 2 نوفمبر 2010، وبلغت الأضرار الناتجة عن عملياته ما يُقدر بنحو 100 ألف دولار أميركي، وبعد القبض عليه عُثر بحوزته على عدد من الخطابات الخاصة بتنظيم «طالبان»، وكتاب «الطريق إلى الجهاد» الذي يتبناه التنظيم، وقائمة بأسماء عناصر تنتمي إلى تنظيمات إرهابية أجنبية، كما وجد بغرفته طرقاً لتصنيع المتفجرات.

كما قد يتم استخدام هذه العناصر لإمدادهم بتحركات الوحدات العسكرية وتكتيكاتهم وخطواتهم المستقبلية. ففي عام 2004، تم إلقاء القبض على أحد المسؤولين عن ذخائر الجيش الأميركي، وهو يزود مسؤولين فيدراليين متنكرين كأعضاء في تنظيم «طالبان»، بمعلومات عن كيفية إفساد أو تدمير بعض أنواع الدبابات الأميركية، إلا أن دفاعه قدّم ما يُثبت إصابته بمرض نفسي. فيما قام «بول هول» أثناء خدمته العسكرية بإفشاء معلومات سرية تتعلق بتحركات قطع قتالية تابعة للبحرية الأميركية في عام 2001، إلى دار نشر «عزام» في لندن، المعروفة بدعمها للحركات الإرهابية.

كما كشفت التحقيقات عن أنه غيّر اسمه ليصبح «أبو جهاد»، وكان يرسل تقارير حول الوثائق السرية التي يحق له الدخول إليها من موقعه على سفينته الحربية. فيما قد يقوم بعضهم بمغادرة البلاد للانضمام إلى صفوف التنظيمات الإرهابية. وفي الحالتين الأولى والثانية، يقوم الأفراد بدورهم من داخل دولتهم، ويكونون أكثر عرضة للاعتقال والمحاكمة، أماً في حالة الانتقال إلى مناطق تمركز الجماعات الإرهابية، فإنهم ينتقلون من محل إقامتهم للالتحاق بصفوف المقاتلين في هذه التنظيمات، ويغيرون ديانتهم وأسماءهم.

وقد أعلنت وزارة الدفاع الفرنسية عام 2015، أن هناك 10 جنود من القوات الخاصة التحقوا بصفوف تنظيم «داعش»، وأن أحدهم قد تلقى تدريبات خاصة بالتصويب وآليات التكيف خلال الحرب، وخدم بالجيش الفرنسي فترة طويلة، قبل أن يلتحق بشركة أمن خاصة أرسلته في مهام قادته إلى مقابلة بعض المتطرفين.

3- تجنيد المتقاعدينفي يناير 2014، تم إلقاء القبض على عسكري أميركي سابق خدم في سلاح الطيران الأميركي، أثناء محاولته العبور إلى سورية عن طريق تركيا. ومن الجدير بالذكر أن هذا العسكري قد عمل في العديد من الشركات كمهندس طائرات بعد خروجه من الخدمة العسكرية، وعلى الرغم من أن هذه الحالة لا تشير التفاصيل المعلنة إليها، إلا أنهاً نتاج محاولة ممنهجة من قبل «داعش» لاستقطاب العناصر المتقاعدة؛ إذ إن تصريحات المتهم أثناء محاكمته، أشارت إلى أنه اختلط بعدد من المنتمين إلى التنظيم بعد خروجه من الجيش.

وفي السياق ذاته، تم إلقاء القبض على «كريغ بيكسام» الضابط السابق بالجيش الأميركي، الذي يمتلك خبرة في مجال الاستخبارات العسكرية الإلكترونية، في كينيا، في ديسمبر 2011، أثناء محاولته الوصول إلى جنوب الصومال للانضمام لحركة الشباب الصومالية، وتمت محاكمته، ولا يوجد ما يشير إلى كيفية تحوله إلى الفكر المتطرف، أو أسباب اختياره حركةَ الشباب الصومالية، غير أن دفاعه ذكر أنه لايزال يحاول التعرف إلى دينه، وهو ما دفعه إلى «الهجرة».

كما سافر «إريك هارون» إلى سورية، والتحق بصفوف «جبهة النصرة» بعد أن أدى خدمته العسكرية، وتم تصويره أثناء الاشتباكات وهو يصوب صاروخه إلى مقاتلات أميركية، وهو ما ترتب عليه القبض عليه في عام 2013، عند عودته إلى الولايات المتحدة بتهمة التآمر ضد القوات الأميركية، ولكنه تمكن من التوصل إلى اتفاق قضائي اعترف خلاله بجريمة أقل شدة، وتمت معاقبته بالسجن لمدة ستة أشهر.

دوافع الانضمام

يمكن القول إن استراتيجيات التنظيمات الإرهابية في اختراق الجيوش النظامية الغربية، تعتمد أساساً على مداخل علم النفس السياسي، في استغلال الثغرات التي تُعاني منها احترافية المؤسسات العسكرية. ففي حالة المتقاعدين تضغط التنظيمات الإرهابية على رغبة هذه الفئة في الإحساس بالذات والقيمة والرغبة في الاستمرار في لعب الدور، وفي حالة استقطاب الأفراد المسلمين المجندين داخل صفوف المؤسسات العسكرية الغربية، فإن عدم اتساق الأهداف الفردية مع المؤسسية أدت إلى خلق حالة من الرفض النفسي والتخبط الفكري لدى هؤلاء المجندين، وهو ما يسهل على التنظيمات الإرهابية استقطابهم.

كما يسعى بعض الأفراد - بمبادرة شخصية - إلى الانضمام إلى هذه التنظيمات. فعلى سبيل المثال، في قضية «فورت هود» (Fort Hood Shooting) الشهيرة التي قام فيها «نضال مالك حسن»، الطبيب النفسي برتبة عقيد، بعملية إطلاق نار جماعية في قاعدة فورت هود، ووفقاً لأحاديثه مع زملائه، فقد اختار وظيفته حتى يتمكن من رفض إرساله إلى بلد مسلم مع القوات المقاتلة، وهو ما أكده تاريخه الوظيفي، حيث احتفظ بوضع الرفض في حالتي العراق وأفغانستان. علاوة على ذلك، فقد كان مشروع تخرجه في كلية الطب عن الانتقام باعتباره دافعاً، وهو ما دفعه إلى التواصل مع أحد الشيوخ المعروفين بانتمائهم إلى «طالبان»، لاستشارته حول الأعمال الانتحارية. وفي عام 2011، تم إلقاء القبض على «ناصر جيسون عبده» الجندي في الجيش الأميركي، قبل ارتكابه عملاً إرهابيّاً في Fort Hood أيضاً، وقد ذكرت التقارير أنه احتفظ بوضع الرفض، على غرار نضال حسن، عندما كان يتم إيفاده إلى العراق أو أفغانستان.

وقد صرّح عبده باسم الشيخ الذي تواصل معه نضال حسن؛ غير أنه لا يمكن الجزم بما إذا كان التواصل قد بدأ من جانب تنظيم «طالبان» أم من جانب الجنود. والمرجَّح أن عبده قد اتخذ من نضال حسن نموذجاً أراد تكراره بالتفاصيل نفسها وفي المكان نفسه. ويمكن التوصل إلى نتائج أكثر دقة عن دوافع الانضمام لهذه التنظيمات الإرهابية، من خلال دراسة الملفات البيليوغرافية الكاملة لخلفية هؤلاء الأفراد وطبيعتهم، وتاريخهم الشخصي والوظيفي وغير ذلك.

مواد ذات علاقة