الإمارات اليوم

يريد استخدامها قاعدة لضرب أوروبا

«داعش» يحاول استعادة نفـوذه في ليبيا بعد دحره من العراق وسورية

:
  • ترجمة: مكي معمري عن «وول ستريت جورنال» و«الإيكونمست»
  • المتطرفون يتسللون ضمن المهاجرين للعبور إلى أوروبا. أ.ف.ب
  • المسلحون أصبحوا يتفادون التحرك في مجموعات كبيرة. أرشيفية

شكّل تنظيم «داعش»، في الآونة الأخيرة، عدداً من الخلايا السرية في ليبيا بعد عام من فقدان معقله الرئيس في هذا البلد الذي تعمه الفوضى، وهي جزء من جهود الجماعة المسلحة لإعادة التجمع على عتبة أوروبا. وقال مسؤولون أمنيون ليبيون وأوروبيون إن الخلايا الصغيرة التي تضم عشرات المقاتلين أقامت قواعد جديدة خارج المدن الليبية في الأشهر الأخيرة، وبدأت في كسب المال عن طريق سلب الشاحنات التجارية وابتزاز عصابات تهريب المهاجرين.

قاعدة احتياطية

مثل رفاقهم في العراق وسورية، كان مسلحو «داعش» بليبيا في تراجع بداية هذا العام. وكان فرعهم، الذي يعتبر الأكثر فتكاً خارج بلاد الشام، قد خرج من سرت، معقله الساحلي، في ديسمبر وتعرض للقصف بشدة من قبل القاذفات الأميركية في يناير. ويبدو أن الضربات بددت الفكرة القائلة بأن ليبيا، تعتبر معقلاً رئيساً للمتطرفين، وقد انهارت، لكن هذا البلد قد يكون بمثابة قاعدة احتياطية للتنظيم الإرهابي.

ولكن على الرغم من أن المسلحين يتقهقرون في ليبيا، إلا أن أمرهم لم ينتهِ بعد، وقد يكون لهم امتداد دولي. وقد أعيد تجميع العديد من المقاتلين في الوديان الصحراوية والتلال الصخرية جنوب شرق طرابلس. وتحقق الشرطة البريطانية في صلات بين سلمان عابدي المفجر الانتحاري الذي قتل 22 شخصاً في مانشستر، نهاية مايو، وتنظيم «داعش»، الذي أعلن مسؤوليته عن الهجوم. وكان عابدي في ليبيا أخيراً وألقي القبض على شقيقه ووالده في طرابلس في 24 من مايو. وتقول الميليشيات التي تحتجزهم إن الأخ هو عضو في التنظيم وكان يخطط لهجوم على طرابلس.

لقد كانت الفوضى هي القاعدة في ليبيا منذ الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي في عام 2011. وتتنافس الجماعات المسلحة التي لا تُعد ولا تُحصى مع الحكومتين المتنافستين على السلطة، الأولى في الشرق والثانية في غرب البلاد. ويذكر أن اتفاق السلام مع بعض الخصوم في عام 2015، بدعم من الأمم المتحدة، فشل في توحيد البلاد أو إقامة دولة فعالة تحت مظلة «حكومة الوفاق الوطني». وقد تعمقت الفوضى، أخيراً، مع مهاجمة خطوط أنابيب المياه ومحطات الضخ.

ويعتقد أن هناك نحو 500 مقاتل من تنظيم «داعش» ينشطون في ليبيا حالياً، وليسوا كما كانوا بالآلاف قبل نكساتهم الأخيرة. ولكن ربما هناك 3000 مسلح ينتمون إلى جماعات متطرفة مختلفة. وفي إشارة إلى الكيفية التي تسير بها الأمور، يقال إن تنظيم «داعش» يتلقى الدعم من مقاتلي القاعدة المحليين، على الرغم من الخلاف بين قادة الجماعات في الخارج. وفي ليبيا تنشط المجموعتان في المناطق نفسها، ويتحرك المقاتلون ذهاباً وإياباً بينها. ويقول ولفجانغ بوستاي، وهو ملحق عسكري نمساوي عمل في ليبيا، «أتوقع أنهم (أفراد داعش والقاعدة) يتعاونون في مجال الخدمات اللوجستية وتبادل المعلومات».

إن التضاريس في الجنوب تجعل من الصعب مهاجمة تنظيم «داعش» من الأرض، على حد قول مسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، الذين أشرفوا على استعادة سرت. ولكن هناك مشكلات مع الضربات الجوية أيضاً -توقف المسلحون عن السفر بأعداد كبيرة بعد أن قصفت المقاتلات الأميركية قافلة المتشددين، وقتلت أكثر من 80 منهم في يناير- وهم الآن يتحركون في مجموعات صغيرة على طول الطرق التي لا تخضع للمراقبة. وتقول الحكومة إنها تراقبهم من خلال قاعدة قرب بني وليد، بينما تراقب أميركا من الجو. وتحلق طائرات مراقبة من دون طيار فوق ليبيا انطلاقاً من قواعدها في تونس، منذ الصيف الماضي، كما تقوم واشنطن ببناء قاعدة للطائرات من دون طيار جديدة في النيجر.


- يعتقد أن هناك نحو 500 مقاتل من تنظيم «داعش» ينشطون في ليبيا حالياً، وليسوا كما كانوا بالآلاف قبل نكساتهم الأخيرة.

- لدى «داعش» وجود في مدن وبلدات ليبية أخرى، وتتجول مجموعات يراوح عدد أفرادها بين خمسة و50 مقاتلاً خارج المناطق الحضرية.

وقال أحد المنشقين عن «داعش»، إن التنظيم أبلغ المقاتلين بالذهاب إلى ليبيا من سورية، حيث يقوم التحالف بقيادة الولايات المتحدة بدفع الجماعة الإرهابية من عاصمتهم (الرقة)، الأمر الذي أكده مسؤولون أمنيون في أوروبا. وقال أبوالبراء الأنصاري، وهو سوري، إنه انشق عن التنظيم المتطرف في يونيو «إنهم يعتبرون ليبيا المدخل الرئيس إلى أوروبا». وقال الأنصاري إنه عمل في المكتب الخاص بتتبع زوّار المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، وهو الآن في تركيا وتمت المقابلة معه عبر برامج المحادثة على الإنترنت.

وجاءت جهود التنظيم الرامية إلى العودة إلى ليبيا بعد فقدان السيطرة على مدينة سرت الساحلية، العام الماضي، وأثار هذا التحرك قلقاً بين المسؤولين الأوروبيين. وقد شارك المهاجمون الذين سافروا من سورية إلى أوروبا، في عدد من الهجمات الإرهابية الدامية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك هجمات باريس وبروكسل. وقال مسؤول أمني أوروبي، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن «(التنظيم المتجدد) بات يشكل مشكلة حقيقية في ليبيا».

وقال إن المجموعة الإرهابية يمكنها زيادة العائدات في ليبيا من خلال الابتزاز والاستفادة من مخزونات الأسلحة في دولة شاسعة، وغير مستقرة سياسياً.

ولم يرد أعضاء المجلس الرئاسي الليبي، الذي يترأس حكومة طرابلس، التعليق على أنشطة «داعش» في البلاد. وقال التنظيم، قبل عامين، إنه يعتزم التسلل بين مجموعات المهاجرين وتنفيذ هجمات في أوروبا. وقد عبر عشرات الآلاف من المهاجرين البحر الأبيض المتوسط قادمين من ليبيا ووصلوا إلى إيطاليا هذا العام.

حالة مزرية

في مايو، فجر سلمان عابدي، وهو مواطن بريطاني من أصل ليبي، نفسه خارج حفل موسيقي في مانشستر، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً. وقد عاد عابدي اخيراً من رحلة إلى ليبيا، ويقول مسؤولو الأمن الأوروبيون إن نوع القنبلة التي استخدمها في الهجوم الإرهابي، يشير إلى أنه قد يكون تم تدريبه من قبل مقاتلي «داعش» هناك.

ومنذ مقتل العقيد معمر القذافي، في عام 2011، قامت الفصائل المتحاربة بتقسيم ليبيا إلى قطاعات، وتصارعت من أجل السيطرة على حقول النفط، ما ترك الاقتصاد في حالة مزرية. وقال ضابط في المخابرات الليبية بمدينة مصراتة، الذي يعمل مع القوات الموالية لطرابلس، لم يكشف عن اسمه، إن «(داعش) يستغل الفراغ الأمني في البلاد لتنفيذ خططه وتحقيق أهدافه».

وقادت الميليشيات من مصراتة -التي تدعم حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس- الحملة الناجحة لإطاحة تنظيم «داعش» من سرت.

 وتشير تقديرات القيادة الأميركية في إفريقيا، التي تشرف على العمليات العسكرية في القارة، إلى أن هناك 500 عضو فقط من أعضاء «داعش» النشطين في ليبيا الآن، وهذا هو أدنى من الذروة (نحو 3000 مقاتل) عندما سيطر التنظيم على مدينة سرت في عام 2016. لكن مسؤولين آخرين قالوا إنه من الصعب معرفة عدد مقاتلي التنظيم المتطرف الموجودين حالياً في ليبيا، ويقولون إن قدرة المجموعة على العمل دون عوائق نسبياً في جميع أنحاء البلاد تثير المخاوف.

انخفاض ملحوظ

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، إن الولايات المتحدة شهدت «انخفاضاً ملحوظاً» في عدد المقاتلين الأجانب، الذين يسافرون من أو إلى النزاع في ليبيا، منذ طرد التنظيم خارج سرت. ويقول مسؤولو الأمن الأوروبيون والمنشقون عن «داعش» إن مقاتلي المجموعة، بمن فيهم السوريون والعراقيون فضلاً عن الليبيين، يحاولون دخول ليبيا على أمل الوصول إلى أوروبا لشن هجمات. وأوضح المسؤولون أن عناصر من «داعش» قد تنقلوا من تركيا إلى السودان، جواً، ثم توجهوا براً إلى ليبيا. وفي الوقت نفسه، تقوم القوات الليبية في الجنوب بمراقبة مجموعة من مجندي التنظيم الذين كانوا في طريقهم إلى السودان من سورية، ويحاولون العبور إلى ليبيا، وفقاً لمسؤول أمني في المنطقة تابع للقوات الموالية لطرابلس.

وقال ربيع عبدالعاطي الذي يترأس المكتب السياسي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، إن الخرطوم تدرك أن بعض المقاتلين استغلوا الحدود الغربية التي يسهل اختراقها للتسلل الى ليبيا، مضيفاً أن الحكومة نشرت قوات لوقف التسلل والقضاء على الجريمة العابرة للحدود. وكان ليبيون من بين أولئك الذين تلقوا تدريبات في مختبر الأسلحة بالرقة، وفقاً لمنشق آخر من التنظيم الإرهابي، الذي قال إنه شارك في تصميم تلك الأسلحة، وأنه غادر التنظيم في عام 2016. وقال إن بعض الأجهزة كانت مخصصة للاستخدام في ساحة المعركة، وللقيام بهجمات في أوروبا. إن المكونات رخيصة وسهل الحصول عليها، يضيف المنشق، ومقاطع الفيديو التي نشرها «داعش» تظهر كيفية تجميعها.

في ليبيا، تعمل حكومة منافسة في شرق البلاد، حيث تم الإطاحة بجماعة متحالفة مع تنظيم «داعش» في وقت سابق من هذا العام في مدينة بنغازي. وفي أواخر مايو، وفي وقت قريب من الإطاحة بالجماعة، أرسل التنظيم اثنين من أعضاء المجموعة المتحالفة من بنغازي إلى اسطنبول، وفقاً لشخص ثالث قال إنه انشق عن التنظيم مؤكداً أنه لايزال على اتصال بالمسلحين في الرقة.

وقال المتحدث إنهما توجها من اسطنبول الى أثينا حيث تلقيا الأوامر بشأن شن هجوم في أوروبا. وقال مسؤول أمنى أوروبي، الشهر الماضي، إنه يجري مراقبة تحركات الرجلين. وهرب مقاتلو التنظيم الذين خرجوا من سرت إلى أجزاء أخرى من ليبيا مثل بني وليد، غرب سرت. وقال ضابط المخابرات من مصراتة إن المقاتلين ظلوا مختبئين في الوديان المحيطة لأشهر، لكنهم بدأوا الآن في «إقامة نقاط تفتيش واستهداف الشاحنات للاستيلاء على البضائع التي تحملها».

علاقات تجارية

وقد هرب مقاتلون آخرون إلى بلدة غات، جنوب غرب البلاد بالقرب من الحدود الجزائرية. وقد توسعت المجموعة منذ ذلك الحين في ما يخص وجودها في هذا الجزء من البلاد إلى واحة «أوباري» الصحراوية، حيث يقوم المقاتلون بعقد اجتماعات منتظمة والتحرك بحرية في محيط أكبر حقل نفطي في ليبيا، وفقاً لمسؤول الأمن في جنوب ليبيا. وفي مايو، حوّل مقاتلون متطرفون ثلاث شاحنات وقود كانت في طريقها إلى الجفرة، وهي منطقة بين سرت و«أوباري»، وفقاً لتقرير أصدره مجلس الأمن في 22 أغسطس. كما تقول مصادر أمنية أوروبية إن التنظيم أقام علاقات تجارية في المنطقة مع أمير حرب محلي متطرف متخصص في تهريب الوقود.

ولدى «داعش» أيضاً وجود في مدن وبلدات ليبية أخرى، وتتجوّل مجموعات يراوح عدد أفرادها بين خمسة و50 مقاتلاً خارج المناطق الحضرية، وفقاً لما ذكره ضابط الاستخبارات في مصراتة. وكثيراً ما تسافر هذه المجموعات في عدد قليل من السيارات في محاولة لتجنب أن تصبح هدفاً. وفي يناير، شنت الولايات المتحدة غارات جوية على معسكرات تدريب «داعش» جنوب غرب سرت وأهداف أخرى في ليبيا، ما أسفر عن مقتل العشرات من المسلحين، وفقاً وزارة الدفاع الأميركية.

مواد ذات علاقة