الإمارات اليوم

مستغلة الفراغ السياسي الذي تشهده المنطقة

إيران تسعى لبسط نفوذها فـي الشرق الأوسط

:
  • ترجمة: مكي معمري عن «فورين بوليس» و«ذا سبكتايتر»
  • طهران دعمت النظام السوري الذي استخدم البراميل المتفجرة في المناطق المدنية من أجل تحقيق أهدافها التوسعية. أرشيفية
  • نيكي هالي تقول إن الاتفاق معيب لأنه لا يعمل على إنهاء عملية التخصيب. أرشيفية

تُطرح هذه الأيام تساؤلات عدة بشأن الاتفاق النووي مع إيران، وقد أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقاشاً واسعاً في يوليو، إذ صرّح بأن إيران لا تمتثل لما نص عليه الاتفاق. ورد القادة الأوروبيون بتأييدهم للاتفاق المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، كما ادعت الحكومة الإيرانية احترام الاتفاقية. وفى الوقت نفسه، أقرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية امتثال إيران، ما أضعف موقف الرئيس الأميركي.

• سهلت طهران سياسة الأرض المحروقة التي تبناها بشار الأسد، وشجعت روسيا على التدخل في سورية، وحرضت صعود تنظيم «داعش» من خلال السماح للأسد وعملائه في العراق بقمع العرب السنة إلى حد احتضن هؤلاء التنظيم المتطرف.

• إدارة ترامب ترى أن الاتفاق النووي يعيبه أنه محدد زمنياً ومصمم لمصلحة إيران، كما أنه لا يستبعد تماماً أن تطور إيران مواد انشطارية كافية لجهاز نووي.

ولكن، نظراً للتهديدات الإيرانية الكبيرة ومحاولة توسيع نفوذها في لبنان وسورية واليمن وفي أماكن أخرى، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة ليست مقدسة. ومن الواضح أن أولئك الموجودين في دائرة ترامب يفكرون بالفعل في أفضل طريقة لإعادة صياغة السياسة الأميركية تجاه إيران. وقد نشر السفير السابق لدى الامم المتحدة، جون بولتون، أخيراً «خطة» مفصلة للانسحاب من الاتفاق، واعتماد الضغط السياسي على إيران. وخلال هذا الأسبوع، تطرقت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي إلى قضية عدم امتثال إيران لتعهداتها خلال تدخلها أمام «معهد المشروعات الأميركية» دون الإشارة إلى إجراء محدد من قبل إدارة البيت الأبيض.

وقالت هالي إن إدارة ترامب ترى أن الاتفاق معيب، لأنه محدد زمنياً ومصمم لمصلحة إيران، ولا يعمل على إنهاء عملية التخصيب. بالتالي، فإنه من غير المستبعد تماماً أن تطور إيران مواد انشطارية كافية لجهاز نووي، وبالإضافة إلى ذلك لا تتناول خطة العمل المشتركة جهود الحصول على الأسلحة النووية، التي تركت في هامش غامض بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، الأمر الذي يعيق الآن تفتيش المنشآت العسكرية.

لكن المشكلة الرئيسة في الاتفاق، حسب رأي السفيرة الأميركية، هي أنه لا يفعل شيئاً للحد من التوسع الإقليمي العدواني لإيران. هذا السلوك يثير قلقاً عميقاً لدى القادة في الشرق الأوسط، الذين بدأوا يواجهون تبعات الاتفاقية بعد أسابيع قليلة من التوقيع على خطة العمل الشاملة في عام 2015. ومن الواضح أن الاتفاقات الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، مهمة في حد ذاتها، لكن لا ينبغي تجاهل سياقها الاستراتيجي، فعلى سبيل المثال، في حين لم يكن هناك سوى القليل من الانزعاج الحقيقي من برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي، فإن القلق الإقليمي والعالمي بشأن الأسلحة النووية الإيرانية كان عميقاً بسبب سياساتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.

نهج عدواني

لقد شجع سلوك إدارة أوباما نهج إيران العدواني في المنطقة، إذ كان المسؤولون الأميركيون في الادارة السابقة غامضين بشأن قضية «الربط» بين الاتفاق وبرنامج إيران الإقليمي المشبوه. وفي بعض الأحيان، مثل الخطاب الذي أدلى به نائب الرئيس جو بايدن في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في أبريل 2015، جادل المسؤول الأميركي بأن الاتفاق كان معنياً ببساطة بالقيود النووية، وأن سلوك إيران الإقليمي سيتم التعامل معه بطرق أخرى، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، سواء في سورية أو اليمن أو في أي مكان آخر.

وبدلاً من ذلك ظهر الموقف الضمني للإدارة بشكل واضح في مقابلة الرئيس باراك أوباما عام 2015 مع مجلة «أتلانتك»، إذ قال إن الجهود الحثيثة التي أسفر عنها الاتفاق ستساعد على إعادة إيران إلى احترام جيرانها والتهدئة في المنطقة، في حين أشار أيضاً إلى أنه لم يكن مضطرباً بشكل مفرط بفعل السلوك الإيراني المحبط. ورأى الرئيس السابق أنه يتعين على السعودية أن تجد وسيلة لـ«تقاسم المكان» مع إيران، وأن دعم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بقوة ضد طهران لن يؤدي إلا إلى إشعال نار الصراعات.

لكن سلوك إيران أصبح الآن خطيراً جداً ولا يمكن تجاهله، فقد سهلت طهران سياسة الأرض المحروقة التي تبناها بشار الأسد، وشجعت روسيا على التدخل في سورية، وحرضت صعود تنظيم «داعش» من خلال السماح للأسد وعملائه في العراق بقمع العرب السنة إلى حد احتضن هؤلاء التنظيم المتطرف. وفي حين أن خطة العمل المشتركة نفسها لم تمكن السياسات الإقليمية لإيران أو تمول حملاتها التوسعية، فإن الاتفاق النووي شجع سلوك إيران، ومن المؤكد أن مشترياتها من الأسلحة الضخمة من روسيا لم تكن ممكنة بسبب العقوبات المفروضة على تصدير النفط والودائع الأجنبية، إلا أن الاتفاق منح طهران «ختم الموافقة» للمضي في عدوانها.

الاستفادة من صفقة إيران للضغط على طهران، أو حتى التفاوض على اتفاق أكثر تقييداً قد يبدو أشبه بالمهمة المستحيلة في الوقت الراهن. وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد حتى الآن أي انتهاك خطير لخطة العمل المشتركة. وفي ظل هذه الظروف، يقول الخبيران ريتشارد نيفو وإيان غولدبرغ، إن هناك احتمالاً ضئيلاً بأن تتمكن الولايات المتحدة من إقناع موقعي الاتفاقية الآخرين والأطراف الثالثة بتنفيذ العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية، والتي جلبت إيران إلى طاولة المفاوضات الأخيرة.

إعادة التفكير

ويرى البعض أن ثمة نقاطاً أخرى يجب على الإدارة الأميركية أن تأخذها في الاعتبار، وهذا يشمل أزمة تلوح في الأفق في الشرق الأوسط؛ حملة كل من إيران ونظام الأسد وروسيا للسيطرة على سورية، وحملة التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتدمير «داعش» التي شارفت على الانتهاء، وهذا يترك للولايات المتحدة وشركائها خيار الانسحاب من الجيوب في سورية وشمال العراق، التي أنشئت لمحاربة التنظيم المتطرف لكنها مفيدة لمواجهة التحالف الإيراني، فالأميركيون وحلفاؤهم يرون في هذه الجيوب عقبات أمام إيران التي تسعى للهيمنة على بلاد الشام. وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن لأي جانب من جوانب العلاقات مع إيران، بما في ذلك خطة العمل الشاملة، أن يكون بعيداً عن المراجعة وإعادة التفكير.

توقعات إيران بوجود فوائد تجارية من خطة العمل المشتركة هو أيضاً نقطة ضعف قاتلة. يمكن للإدارة الأميركية أن تثني الشركات العالمية عن القيام بأعمال تجارية مع إيران من خلال ترك موقفها النهائي من الصفقة مفتوحاً، ما يعرّض أعمال تلك الشركات مع أميركا للخطر، وهذا انتهاك فني لشروط برنامج العمل المشترك، ولكن من أكثر الشروط غير الواقعية الالتزام بدعم التنمية الاقتصادية الإيرانية في ظل هذه الظروف. كما أن من غير المحتمل أن تدفع هذه الأعمال طهران نحو اتفاق مفيد خلافاً لما تم التوصل إليه.

علاوة على ذلك، وكما قالت هالي في تصريحاتها، فإن القانون الذي أقره الكونغرس الأميركي والذي يطلب من الرئيس بأن يشهد رسمياً بأن إيران ملتزمة باتفاق إيران، يُعَرف «الامتثال» على نطاق أوسع مما تنص عليه شروط خطة العمل المشتركة. وعلى النقيض من صفقة إيران، يتعين على الرئيس أن يشهد بأن تخفيف العقوبات هو في المصالح الأمنية الوطنية الحيوية للولايات المتحدة، وبالتالي فإن الرئيس يمكن أن يحمل إيران بـ«عدم الامتثال» بموجب هذا القانون. وبموجب الفقرة 36 من خطة العمل، يمكن للولايات المتحدة أيضاً إعادة فرض عقوبات رمزية أو جزئية رداً على السلوك الإيراني دون الانسحاب من الاتفاقية.

انهيار محتمل

بالنسبة للكثيرين في المجتمع الدولي، خصوصاً أوروبا، هذه الخطوات مرفوضة، لكن قلة قليلة من الدول إن وجدت تنظر حقاً في الحفاظ على خطة العمل الشاملة التي تحظى باهتمام كبير في الشرق الأوسط، حتى في أوروبا، ما يؤثر حقاً على السكان هو تهديدات تنظيم «داعش» وتدفقات اللاجئين غير المقيدة، والتي هي إلى حد كبير نتيجة لسياسات إيران في سورية. وعلاوة على ذلك، فإن الانهيار المحتمل لنظام الأمن في الشرق الأوسط، الذي تقوده أميركا بسبب سلوك إيران، يعرّض الدول الأوروبية للخطر أكثر من الولايات المتحدة.

وبغض النظر عن ترامب أو أي رئيس آخر، فإن صفقة إيران مستعدة لمواجهة حقيقة سياسية غير مريحة، وبموجب خطة العمل الشاملة يجب على الكونغرس أن ينهي رسمياً العقوبات بحلول يناير 2024، إلا أنه من المستبعد أن يقدم الكونغرس، بوضعه الحالي، على مثل هذه الخطوة بحلول الموعد المحدد. ولكن عدم القيام بذلك من شأنه أن ينتهك أحد الأحكام الرئيسة لبرنامج العمل المشترك ويمنع الالتزام الرسمي الإيراني بالبروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل. وفي ظل هذه الظروف، قد يكون من المجدي الضغط على البلدان المؤيدة لخطة العمل الشاملة من أجل إعادة النظر في العلاقات مع طهران، باعتبارها «ثمن» إنقاذ القيود النووية التي ينص عليها الاتفاق.

جيمس جيفري كاتب ومحلل سياسي


سورية المقسمة

بشار الأسد (يمين) يستقبل المبعوث الإيراني جواد ظريف في 2014.  أ.ب

بعد ست سنوات من القتال العنيف ومئات الآلاف من القتلى، يبدو أن الحرب الأهلية السورية قد اقتربت من النهاية. وينقسم البلد الآن إلى مناطق مختلفة من النفوذ، فهناك متمردون تدعمهم تركيا في الشمال، وقوات كردية مدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، ونظام سوري وميليشياته مدعومة من إيران في الوسط والعاصمة دمشق. وهذا يعطي إيران، مع التأثير الذي لديها بالفعل في لبنان والعراق، سلطة تمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط.

ويرجع توسع النفوذ الإيراني في المنطقة إلى حد كبير إلى قدرة طهران على الاستفادة من التاريخ الحديث المضطرب في الشرق الأوسط، فقد خلقت السنوات القليلة الماضية فراغاً قامت إيران بشغله طوعاً.

في العراق، تلعب وحدات الحشد الشعبي - وهي مجموعة معظمها من الميليشيات الشيعية، تشكل جزءاً من قوات الحكومة العراقية ويدربها مستشارون إيرانيون - دوراً مهماً في الحرب ضد تنظيم «داعش» وفي السيطرة على المناطق المحررة. وفي لبنان، لدى حزب الله - المتحالف مع إيران - مقاعد في برلمان البلاد، ويلعب دوراً رئيساً في السياسة اللبنانية. كما أرسلت إيران الآلاف من مقاتليها لتعزيز نظام بشار الأسد في سورية. إضافة إلى ذلك، قامت قوات الحرس الثوري الإيراني بتجنيد الآلاف من الشيعة الأفغان والباكستانيين للقتال في سورية في وحدة تسمى «شعبة الفاطميين».

وفي حين أن الحرب السورية قد تهدأ الآن، فإنه لن يتم حل أي من هذه الميليشيات الإيرانية قريباً. وبدلاً من ذلك، يبدو من المرجح أن بعضها على الأقل سيتحول إلى ميليشيات مماثلة لحزب الله؛ وهو حزب سياسي مسلح مع طموحات خارج الإقليم. كما أن هناك تقارير تفيد بأن إيران تقوم ببناء قواعد عسكرية في سورية ولبنان. وفي هذا السياق حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أخيراً، من أن طهران مشغولة بتحويل سورية إلى حصن عسكري.

مواد ذات علاقة