الإمارات اليوم

درس بورتوريكو نموذج يمكن أن تستفيد منه الدول

أغنية «ديسباسيتو» تفوقت على القوة الصلبة للدول

:
  • عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة - أبوظبي
  • «ديسباسيتو».. أنقذت بورتوريكو من الإفلاس. أرشيفية
  • الدراما التركية استطاعت اجتذاب مزيد من السياح. أرشيفية

تصاعد اعتماد الدول على وسائل الجذب الثقافي والإعلامي في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز أرصدة القوة التي تمتلكها، من خلال التأثير على توجهات الشعوب، والترويج للنموذج الذي تمثله الدولة، إذ كشف الانتشار العالمي لأغنية «ديسباسيتو» الإسبانية عن أهمية الأبعاد الثقافية - خصوصاً «الفن» - باعتبارها أهم مصادر القوة الناعمة للدولة. وعقب صدور الأغنية أضحت بورتوريكو تحظى باهتمام عالمي واسع النطاق، بالإضافة إلى تزايد معدلات تدفق السياح إليها لزيارة المعالم السياحية التي عرضها فيديو الأغنية.

صعدت الإمارات كوجهة جاذبة للتصوير السينمائي العالمي خلال السنوات الأخيرة، وتم تصوير ما يقرب من 10 أفلام بها، حيث أثبتت الإمارات مكانتها في صناعة السينما في بوليوود، واختيرت لتكون وجهة للعديد من الأفلام الهندية، إضافة إلى اختيارها لتصوير أربعة أفلام أميركية شهيرة.

تجارب مماثلة

تصدرت أخبار أغنية «ديسباسيتو» وسائل الإعلام العربية والدولية عقب تمكن فيديو الأغنية من جذب عدد كبير من المشاهدات على «يوتيوب» من مختلف أنحاء العالم، وصلت إلى نحو 2.6 مليار مشاهدة. ولا يقف تأثير الأغنية عند حد الانتشار العالمي، بل إنها استطاعت أن تجذب السياحة إلى بورتوريكو التي كانت قد أعلنت إفلاسها، إذ ارتفعت السياحة خلال الأشهر الماضية بنحو 45%، ما أسهم في إنعاش الاقتصاد نسبياً، الأمر الذي وصفه البعض بـ«معجزة ديسباسيتو».

وأفادت الأخبار المنقولة عن صحف بورتوريكو، بأن نشاط السياحة قد تزايد بعد المشاهد والمعالم السياحية الطبيعية المميزة التي ظهرت في كليب الأغنية، ولذلك قام منظمو الرحلات السياحية في بورتوريكو بضم الأماكن التي ظهرت في فيديو الأغنية، مثل Club La Factoría، وOld San Juan، وLa Perla sector، إلى برامجهم ورحلاتهم السياحية.

ولا تُعد أغنية ديسباسيتو المثال الوحيد الذي يوضح تأثيرات القوى الناعمة، فمن جانبها استطاعت الدراما التركية في السنوات الماضية الترويج للثقافة التركية ولمواطن الجذب الثقافي بالدولة، واستطاعت جذب أعداد هائلة من السياح، فمدينة إسطنبول التركية أصبحت تُصنف من أهم 10 مدن جاذبة للسياحة في العالم، فبعدما كان عدد السياح لا يتجاوز 10 ملايين في مطلع الألفية، وصل إلى نحو 40 مليون في عام 2016.

وعلى الرغم من حالة عدم الاستقرار التي عاشتها تركيا في عام 2016؛ ما جعل السياحة تشهد تراجعاً يُقدر بنحو 30% خلال هذا العام؛ فإن الدراما التركية استطاعت اجتذاب مزيد من السياح رغم سوء الأحوال السياسية والأمنية بمدينة إسطنبول، وتشير البيانات إلى أن دخل تركيا من السياحة خلال النصف الثاني من عام 2016 وصل إلى 5.4 مليارات دولار.

وعادةً ما يذهب السياح إلى الأماكن التي تظهر فيها المسلسلات التركية، للانخراط في الثقافة والحياة المحلية التي ارتبطوا بها عبر الشاشات التلفزيونية. ولم يقتصر هذا الأمر على الرغبة في الزيارة، بل إنه أدى إلى الإقبال على تعلم اللغة التركية في كثير من دول العالم.

ولم تتوقف الفائدة الاقتصادية العائدة من المسلسلات التركية عند حد جذب السياحة، فقد تم تصدير الدراما إلى نحو 140 دولة، بحسب بعض التقديرات، حتى أصبحت تركيا ثاني أكبر دولة مصدِّرة للدراما على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، بإيرادات تقدر بنحو 350 مليون دولار سنوياً، وتعتزم الدولة رفع حصتها من الدراما العالمية لتصل إيراداتها إلى مليار دولار سنوياً بحلول عام 2023، وفق غرفة تجارة إسطنبول.

تعزيز الصادرات

أشارت بعض الدراسات إلى أبعاد اقتصادية أخرى تؤثر فيها القوة الناعمة للدولة، فقد حاول الباحث الاقتصادي أندرو روز «Andrew Rose» الربط بين القوة الناعمة للدولة واتجاهات التصدير وعائداته من خلال دراسته (like me, buy me: the effect of soft power on export)، التي استند في جانب منها إلى استطلاع الرأي الذي تجريه سنوياً مؤسسة بي بي سي (BBC) من خلال شركة «غلوبال سكان» لاستطلاع الرأي (globalscan)، والذي يركز على اتجاهات الشعوب تجاه 46 دولة حول العالم، ليقيس الدول الأكثر تأثيراً، والتي تتمتع بصورة ذهنية إيجابية.

وخلُصت الدراسة إلى أن الدول ذات الصورة الذهنية الإيجابية تُصدِّر بنسبة أكبر مقارنة بالدول التي تتمتع بصورة ذهنية سلبية، كما أن الدول تميل إلى الاستيراد من الدول الأخرى التي تُعجب بها.

وعلى الرغم من أن حسابات التصدير والاستيراد لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد، فإن النتيجة تبدو منطقية، فعلى سبيل المثال، بعد تصاعد موجة الدراما التركية ورواجها بين الشعوب العربية، أصبحت المنتجات التركية موجودة بصورة ملحوظة في الأسواق العربية، خصوصاً في قطاع الأزياء، وغيرها من المنتجات،وهو ما تفسره نظريات «ثقافة الاستهلاك» التي تؤكد أن الاستهلاك لا تحكمه العوامل المادية فقط التي ترتبط باحتياج الفرد للسلعة أو جودتها، بل إن الفرد في الحقيقة يستهلك مجموعة المعاني والرموز والصور الذهنية المرتبطة بالسلعة.

ويُلاحظ أن إعجاب الأفراد بنمط وقيم ثقافة معينة، يزيد ميلهم لاستهلاك منتجاتها، الأمر الذي يُشبع رغبتهم في الشعور بأن تكون حياتهم مطابقة لتلك الصور، وهو ما ينطبق على ما أشار إليه جوزيف ناي، بأن القوة الناعمة هي القدرة على «الجذب».

سياحة السينما

أدى الترويج للثقافة المحلية إلى خلق صورة ذهنية إيجابية وعالمية للدولة تجعل منها وجهه جاذبة لصناع السنيما العالمية أيضاً، ومن الأمثلة العربية الرائدة في هذا المجال المملكة المغربية، حيث تحتل المغرب المركز الأول عربياً وإفريقياً في استقطاب تصوير الأفلام الأجنبية، فقد استطاعت المغرب بأدواتها الثقافية التقليدية أن تستحوذ على عدد كبير من عقود تصوير الأفلام السينمائية العالمية، باعتبارها ممثلة للثقافة العربية التقليدية، وهو ما أسهم في الترويج للمملكة، وجذب مزيد من السياحة، والتعريف بالمملكة، وتعزيز صورتها الذهنية الإيجابية. وقد اتخذت المغرب مجموعة من الإجراءات والتدابير لتسهيل إجراءات التصوير السينمائي العالمي، للحفاظ على هذا الاستثمار المهم لاقتصادها.

من جهة أخرى، حققت المغرب عائدات اقتصادية مجزية من هذا الأمر، حيث تدفع شركات الإنتاج مبالغ طائلة للدولة لإجراء التصوير والحصول على التصريحات اللازمة وغيرها. وقد تجاوزت الاستثمارات الأجنبية بالمغرب 100 مليون دولار في عام 2014، بحسب المركز السينمائي المغربي.

يُضاف إلى هذا أن ازدهار التصوير السينمائي بها أدى إلى خلق فرص عمل داخل الدولة، خصوصاً من الفنيين في مجالات تكنولوجيا السينما، مثل فنيي الصوت والتصوير والغرافيك وغيرها، حيث يستعين الإنتاج بالقدرات المحلية لتقليل الكلفة، وهو ما يؤدي إلى رفع كفاءة القدرات المحلية في هذا المجال من خلال التعرض للخبرات الدولية.

ومن الملاحظ صعود الإمارات كوجهة جاذبة للتصوير السينمائي العالمي خلال السنوات الأخيرة، وتم تصوير ما يقرب من 10 أفلام بها، فقد أثبتت الإمارات مكانتها في صناعة السينما في بوليوود، وتم اختيارها لتكون وجهة للعديد من الأفلام الهندية. وكذلك تم تصوير نحو أربعة أفلام أميركية شهيرة بها. وفضلاً عن ذلك، تجذب الإمارات صناع الدراما العربية؛ حيث تم تصوير عدد من المسلسلات العربية ذات الإنتاج المشترك في الإمارات، وهو ما عمل على تعزيز صورتها على المستويين العربي والدولي، وساعد على الترويج للسياحة وإقبال السياح عليها من جنسيات عربية وغربية مختلفة.

تحجيم العداء

تؤثر القوة الناعمة كذلك على المستوى السياسي، وتترك انطباعاً إيجابياً حتى بين الدول التي تتسم العلاقات بينها بوجود توتر أو صراع، ولعل أبرز الأمثلة في هذا الإطار العلاقات التركية - اليونانية، إذ إن البلدين يجمعهما تاريخ حافل من العداء، تخللته حروب ومواجهات عسكرية، فضلاً عن استمرار الصراع بينهما حول عدد من الملفات الخلافية، التي يتمثل أبرزها في الصراع حول شبه الجزيرة القبرصية.

وقد لعبت القوة الناعمة التركية دوراً في تقليل حالة العداء لأنقرة في الداخل اليوناني، ففي استطلاع للرأي تم إجراؤه على عينة من المواطنين اليونانيين حول مدى متابعتهم للمسلسلات التركية، وعن نظرتهم إلى جيرانهم الأتراك، اتجهت غالبية العينة للتأكيد على أن المسلسلات التركية استطاعت تغيير رأي اليونانيين في الأتراك بصورة إيجابية، وإقناعهم بأن لدى تركيا إرثاً وإنتاجاً في مجالي الفن والثقافة، إضافة إلى وجهها الغربي، بل ورأى معظمهم من متابعي المسلسلات التركية أن تركيا يمكن أن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي، وأن تلك المسلسلات تعكس الوجه الحقيقي للحياة في تركيا، فيما أجاب اليونانيون الذين ولدوا وترعرعوا في دول أوروبية مثل ألمانيا، بأنهم يعتقدون فعلاً أن هذه المسلسلات تعكس الوجه الحقيقي للاقتصاد التركي القوي.

وفي الختام، يمكن القول إن القوة الناعمة ستظل مورداً مهماً للدولة، لتعزيز صورتها الذهنية على المستوى الدولي، ولتحقيق منافع اقتصادية مهمة. وإلى الآن لم تلتفت الكثير من الدول إلى مواردها الثقافية والاستثمار فيها بالشكل المطلوب، والإيمان بقدرتها على تحقيق إنجازات اقتصادية وسياسية قد تفوق عائدات القوة الصلبة في كثير من الأحيان.


تصويب

نُسبت الحلقة الأولى من ملف «القوة الناعمة» التي نشرت أمس إلى مصدر خطأ هو موقع «يو إس إس دي»، لكن الصواب هو مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة؛ لذا لزم التصويب.

مواد ذات علاقة