الغرب لم يتعلم من دروس التاريخ.. وخططه قد تؤدي إلى عواقب كارثية
الاقتتال لن يتوقف بمجرّد سقوط نـظـــام الأسد
دمشق فقدت السيطرة على الكثير من المعابر ويمكن للمعارضة المسلحة عبور الحدود الدولية للبلاد من دون إعاقة. أ.ف.ب
بعد الحرب العالمية الأولى شكلت بريطانيا وفرنسا الشرق الأوسط الجديد عن طريق تقسيم الامبراطورية العثمانية، ورسمتا حدود دول جديدة، مثل لبنان وسورية والعراق، بما يحفظ مصالحهما واحتياجاتهما. ولم تأخذ هذه الحدود في الحسبان رغبات السكان والشعوب التي تم تجاهلها إلى حد كبير.
وللمرة الأولى منذ أكثر من 90 عاما تخلخل تشكيل المنطقة لما بعد الحرب العالمية الاولى، إذ أصبحت الحدود بين بعض دول المنطقة يسيرة العبور بعد ان كانت صعبة، بينما المرور بين التقسيمات الداخلية في بعض الدول أصبح اكثر صعوبة وتعقيداً.
ففي سورية أصبحت الحكومة السورية لا تسيطر على الكثير من نقاط العبور بين سورية وتركيا والعراق، ويمكن للمعارضة السورية المسلحة عبور الحدود الدولية للبلاد من دون إعاقة، بينما يقاتل مسلحون لبنانيون من الشيعة والسنة مع الجانبين المتحاربين في سورية، فيما يمكن في الوقت نفسه لإسرائيل قصف سورية وقتما وكيفما تريد.
ويقول مراقبون غربيون إن الاعتداءات الاسرائيلية على سورية تزيد من تعقيدات الوضع في سورية، ومن صعوبة جهود تسوية الازمة فيها، ذلك لأنها تسبب إحراجاً شديداً للمعارضة السورية ومحاولة لانقاذ نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد، من خلال استرجاع بعض التعاطف معه من منطلق ان اسرائيل هي العدو الحقيقي والاول لكل عربي، وانه لا تغيير في هذه البديهية.
غير ان كل ما يجري لا يعني انهيار الدولة في سورية، ولكن سهولة عبور حدودها يعني أن الرابح في الحرب الأهلية السورية سيحكم دولة ضعيفة يصعب عليها الدفاع عن نفسها. وهناك من يتساءل: هل يجب على العالم ان يكترث بمن يقاتل في البلدات والقرى الفقيرة في الريف السوري، وبما يجري هناك؟ بالطبع يجب أن نهتم، لأن المنطقة بين الساحل السوري على البحر المتوسط والحدود الغربية لإيران كانت على مدار التاريخ منطقة صراع وحروب بين الامبراطوريات.
وفي حال سقوط الأسد، من سيحل محله؟ وهل سيحل السلام بمجرد سقوطه، وهل سيشتد القتال بعد رحيله كما كان الحال في العراق عام 2003 عند سقوط (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين؟ ام انه ستخف حدته أو يتوقف؟ وينتاب كثيراً من السوريين والعرب وغيرهم قلق كبير يرقى الى حد المخاوف من مرحلة ما بعد سقوط نظام الاسد، ويقولون إن الغموض الكبير في اطار تنافس دموي على السلطة بين فصائل المعارضة ينتظر السوريين، وان شبح التقسيم والطائفية يخيم على بلادهم، ولا يخفي محللون سخريتهم من موقف الغرب المهادن والمتقبل لجماعات متشددة وفصائل سلفية، ومنها «جبهة النصرة» التي اعلنت بكل صراحة علاقتها بتنظيم القاعدة في العراق.
كما أن التناقضات بين فصائل المعارضة المسلحة وأجنحتها السياسية تبعث برسالة مفادها ان الاقتتال لن يتوقف بمجرد إسقاط الاسد ونظامه، بل هو مرشح للاستمرار مع زيادة التعقيدات التي تعترض جهود حل الأزمة السورية. وما يزيد من تعقيد مساعي حلها ايضاً كثرة الدول والاطراف المتورطة بأشكال وأدوار مختلفة، فهناك تركيا والعراق ولبنان وايران وروسيا والاردن وقطر، إضافة الى ما تقوم به الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
وعلى الرغم من تهوين المعارضة السورية من شأن المقارنة بين سورية والعراق، إلا أن هناك أوجه شبه كبيرة وتنذر بالخطر بين البلدين. فقد يكون صدام حسين حاكما لا يحظى بالشعبية في العراق، ولكن الذين أيدوه أو عملوا معه لم يرضخوا لمحاولة تحييدهم عن السلطة أو معاملتهم مواطنين من الدرجة الثانية.
ويبدو أن خطط الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا الخاصة بمستقبل سورية قد تؤدي إلى عواقب كارثية، كما كان الحال في خططهم عام 2003 في العراق، إذ انفصل الاكراد عملياً بمناطقهم في الشمال عن بقية العراق.
ويقول وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، إن الاسد ليس له دور في الحكومة السورية المقبلة، غير أنه لا يمكن فرض شروط إلا على طرف ضعيف ومهزوم أو على وشك الهزيمة، وهذا لن يحدث إلا إذا تدخل الغرب عسكرياً في سورية نيابة عن المعارضة المسلحة كما حدث في ليبيا.
وازداد الوضع تعقيداً في العراق بعد مذبحة الحويجة التي ارتكبتها قوات الامن والجيش ضد المتظاهرين في 23 ابريل الماضي، واسفرت عن مقتل 44 شخصاً، ما أجج الحساسية الطائفية.
ويقول العراقيون في المناطق ذات الاغلبية السنية إنهم يعانون سياسات التمييز التي تنتهجها حكومة نوري المالكي، وان قوات الشرطة والجيش تتصرف في مناطقهم كقوات الاحتلال. وفي واقع الحال فإنه تم خلال المفاوضات الفرنسية البريطانية التي افضت الى رسم شرق أوسط جديد بعد الحرب العالمية الاولى نثر بذور سلسلة من النزاعات المستقبلية في المنطقة، ومنها ما هو مستمر ومنها ما لم يأتِ بعد. وليس من قبيل المصادفة او مثيراً للدهشة ان يكون الاكراد والفلسطينيون أكبر واول ضحايا اتفاقية سايكس - بيكو، وغيرها من الترتيبات الخاصة بمستقبل المنطقة. وعلى مدى 30 عاماً من الحرب معهم أخفقت تركيا في سحق تمرد الاكراد والقضاء عليه، بينما منحهم العراق حكماً ذاتياً واسعاً في مناطقهم، ومنحتهم سورية حرية الحركة والعمل في مدنهم وتجمعاتهم، ويتعرضون للقمع والتضييق في إيران.
باتريك كوكبيرن - كاتب ومحلل صحافي بريطاني
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news