بعد فشل النظام والمعارضة في حسم المعركة
سورية تسير عبر طريق مسدود
هل يسير الوضع في سورية إلى طريق مسدود؟ فالصورة الماثلة للعيان هي أن المعارضة لا تستطيع إسقاط الحكومة ولا تستطيع الحكومة إخماد الاحتجاجات التي تتصف بالتصميم والجسارة في الوقت الذي أصبح من المستحيل على الحكومة إعادة الوضع الى سابق عهده، وإحكام السيطرة على مجريات الأمور، حيث صارت الأزمة مسيسة خلال الأشهر القليلة الماضية. وأصبحت الاصلاحات الحكومية (الدستور، وإصدارات العفو المتلاحقة) من دون معنى طالما ظل للجهاز السري والجيش اليد العليا في ضرب وتعذيب وقتل المحتجين.
وهناك خطورة حقيقية باندلاع حرب أهلية قد يمتد أوارها الى لبنان والعراق، كما أن التدخل العسكري الخارجي قد يصاعد الصراع الطائفي وتصبح البندقية هي الحكم الوحيد في الانقسامات الدينية والطائفية، وقد يؤدي ذلك إلى تبدد الآمال في ترسيخ الديمقراطية في المنطقة.
صراع
يشرح السياسي باتريك سيل في كتابه «الصراع على سورية» في العام 1965 التدافع من أجل السيطرة على تلك الدولة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تمثل ايضاً معركة للسيطرة على العالم العربي على خلفية الحرب الباردة التي ألبت (الرئيس المصري السابق) جمال عبدالناصر ضد السعودية وامتدت حتى الجبال اليمنية، حيث ساندت القوات المصرية الجمهورية الفتية ضد القوات الملكية التي كانت تمولها السعودية.
من خمسينات القرن الماضي الى حرب عام 1967 ظلت سورية نقطة التوازن (او انعدام التوازن) في منطقة تميزت بالانقلابات العسكرية، كما انها كانت مركزا للاختمار الاجتماعي والسياسي بين خمسينات وستينات القرن الماضي عندما كان القوميون والاجتماعيون والماركسيون يكافحون من أجل الاستقلال والتنمية الاقتصادية، إلا أنه وبعد هزيمة العرب في حرب 1967 دخل الشرق الاوسط في مرحلة ركود امتدت أربعة عقود وتحاشت أنظمتها سواء كانت جمهورية او ملكية أي جهود إصلاحية، وتميزت تلك الانظمة بالطغيان وتركيز الثروة في أيدي القادة، وتميزت ايضا بانتشار الفساد، وفي الوقت الذي كانت تنفجر بين الفينة والاخرى بعض الصحوات الجماهيرية التي تعبر عن عدم الرضا عن الوضع الراهن، تجاهلت الحكومات أي رغبة شعبية في التغيير الاجتماعي، وركزت بدلا من ذلك على القضايا الجغرافية السياسية وتضاربت سياساتها بشأن أميركا واسرائيل.
خلال حرب الخليج الاولى 1990-1991 تأرجحت ولاءات دول المنطقة، حيث تحول ولاء الرئيس السوري السابق حافظ الاسد الى واشنطن في الوقت الذي اتجه العاهل الأردني السابق الملك حسين لمساندة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وقبل انتفاضات 2011 كانت المنطقة مقسمة بين المعسكر الموالي لأميركا وهو مصر والسعودية، وما يسمى بـ«محور المقاومة» التي تتمثل في إيران وسورية وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين و«حزب الله» في لبنان.
إيران
اتخذت سورية موقعاً مميزاً في المنطقة بفضل علاقتها مع إيران التي امتدت الى 30 عاماً على الرغم من اختلاف البلدين في السلام مع إسرائيل، حيث ترفض طهران إسرائيل من حيث المبدأ بينما تقبل دمشق بها شريطة الانسحاب من مرتفعات الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل عام .1967
بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 والانسحاب السريع للقوات السورية من لبنان، مر نظام حزب البعث السوري عبر فترة من العزلة استطاع الرئيس السوري بشار الاسد انهاءها اخيراً، واستطاع أن يعزز موقف نظامه مركزاً للمقاومة (في مواجهة الضغوط الاميركية التي تهدف لزحزحته) بمساندته «حزب الله» خلال الحرب الاسرائيلية على لبنان عام ،2006 وتقديمه الاسناد لـ«حماس» خلال الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة عام 2008 - ،2009 كما علق «الاخوان المسلمون» في سورية معارضتهم للنظام بسبب قبضته الحديدية.
انتفاضات
انفجرت الانتفاضات في منطقة بددت استقرارها الحروب التي قادتها الولايات المتحدة (العراق وأفغانستان) وإسرائيل (في لبنان وفلسطين)، وأدى ذلك بدوره الى إضعاف الحكومات وزيادة اعداد الميليشيات (في العراق وكردستان وافغانستان ولبنان وفلسطين والآن في سورية) المتسلحة بأسلحة تقليدية قوية مثل الصواريخ. وفي خضم عدم الاستقرار هذا انفجرت الانتفاضات العربية مطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية
أوهام النظام
يعتقد نظام حزب البعث أن موقع سورية كـ«محور للمقاومة» يجعلها في مأمن من الحركة الثورية التي اجتاحت المنطقة عام ،2011 إلا أن ذلك الاعتقاد اختصر الصراع حول سورية إلى مجرد صراع جغرافي سياسي ومواجهة بين «المعسكر الامبريالي والمعسكر المناهض له»، كما ان ذلك قلل من شأن التغييرات التي تمخضت عن الثورة العربية وتطلعات الشعب السوري، وأخطأ النظام في الحسابات، لأن سورية لها العيوب والاخفاقات نفسها مثلها مثل البلدان الاخرى في المنطقة، والتي تتمثل في حكومة سلطوية ونخبة نهمة وسياسات ليبرالية جديدة أفقرت الشعب وفشل في الاستجابة لتطلعات الشباب الذين يشكلون الأغلبية ويتمتعون بتعليم أفضل من الجيل الذي سبقهم، وأدى رفض الحكومة الاستماع الى مطالبهم ووحشية التعامل معهم الى تصاعد أعمال العنف، وشجع بعض المحتجين على اللجوء إلى السلاح على الرغم من أن الاغلبية تساند الاحتجاجات السلمية، كما كان عليه الحال في مصر. وازدادت المخاوف من ان تتخذ الاحتجاجات منحى طائفياً وهو الامر الذي استغله النظام في تخويف المسيحيين والعلويين.
انشقاقات ومواقف
لا تستطيع المعارضة السورية، أو جزء منها، توفير أي ضمانات بشأن المستقبل، وربما لهذا السبب تحول بعض مناصريها الأوائل بعيداً عنها، إذ ابتعد عنها الأكراد الذين كانوا من بين أوائل المحتجين (للحصول على الهوية الوطنية المحرومين منها) بسبب رفض المجلس السوري الوطني الاعتراف بمطالبهم، وأيدت الحكومة حزب العمال الكردستاني الذي استخدمته من قبل في مواجهاتها العسكرية مع تركيا في تسعينات القرن الماضي، والذي ظل محبباً لدى الأكراد السوريين.
كما أن هناك انشقاقاً داخل المجلس السوري الوطني يقوده السجينان السياسيان السابقان، هيثم المالح وكمال اللبواني، اللذان رفضا انحياز المجلس لجهات أجنبية. ويتهم الرئيس السابق للمنظمة الوطنية السورية لحقوق الانسان، عمار القربي، الذي يقود حاليا التيار الوطني للتغيير، المجلس الوطني السوري بتهميش النشطاء العلويين والتركمانيين. أما المسحيين السوريين الذين شاهدوا الكثير من المسيحيين يفرون من العراق، يتخوفون من الشعارات الجهادية المعادية للمسيحيين والعلويين التي يرفعها المحتجون.
ويواجه المجلس الوطني السوري الكثير من الخصوم، من بينهم هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي التي تعارض التدخل العسكري الخارجي، وتعرضت الهيئة للكثير من الانشقاقات الداخلية ويهيمن عليها الآن الاسلاميون على الرغم من وجود قليل من الليبراليين في المقدمة، وتدهورت علاقتها مع الدول الغربية ودول الخليج.
مواقف متضاربة
يعتقد الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (موساد) أفرايم هالفي، أن الإطاحة بالنظام في دمشق من شأنها أن تضعف ايران وتنهي مبررات ضربها، فهل كان يعبر عن موقف الحكومة الاسرائيلية؟ وكما تعلم الحكومة الإسرائيلية فإن إعلان مثل هذا الموقف سيرتد سلبياً على المعارضة السورية، ويخشى بعض المحللين من ان تنهي الحرب الأهلية في سورية فرص السلام على الحدود المشتركة بين البلدين.
وتتخوف الصين وروسيا من القوة المتصاعدة للإسلاميين ومن الاتحاد الاوروبي وأميركا، ولهذا السبب صوتتا في مجلس الامن لمصلحة التفاوض حول حلول سورية.
وعلى الرغم من ان الانتفاضات أطاحت برؤساء تونس ومصر وليبيا واليمن، فإن هناك احساساً بخيبة الامل وسط المحللين الغربيين والإعلام الغربي، فهل نحن مقبلون على شتاء إسلامي، وحرب طائفية أم ستتعرض الاحتجاجات في سورية ومصر الى السحق؟ لن نقلل من شأن أي من هذه الافتراضات إلا ان هذه الافتراضات تقلل ايضا من شأن قوة الاحتجاجات، والتعهد بتنظيم انتخابات ديمقراطية وإصرار الشعب السوري.
تقييم الخيارات
هناك خيارات غير التدخل العسكري، فقد أجبرت الضغوط الاقتصادية بعض المؤيدين للحكومة من الطبقة الوسطى على التراجع عن تأييدهم لها، وربما يزداد عددهم طالما ان هذه الضغوط تستهدف القادة وليس الشعب، وتعرضت بعثة مراقبي الجامعة العربية الاولى لبعض المصاعب لكنها استطاعت التقليل من مستوى العنف. وان عودة هؤلاء المراقبين سيتمخض عنها تطور إيجابي، وينبغي ايضا إشراك كل من الصين وروسيا في المباحثات من اجل حكومة انتقالية، ويتساءل بعض المحللين عن جدوى التفاوض مع هذه الحكومة الدموية، ونستطيع القول إن ترسيخ الديمقراطية أصبح ممكناً في اميركا اللاتينية من خلال منح العفو للجنود على الرغم من أنهم استغلوا ذلك العفو على مدى 30 عاماً.
وفي الجانب الآخر، تأمل الولايات المتحدة الاطاحة بالنظام السوري الذي يمثل لها احد أعضاء «محور الشر» وكذلك إيران، إلا ان اميركا بعد انسحابها غير المشرف من العراق واحتمال انسحابها قريباً من افغانستان تتردد في خوض مغامرة جديدة على الرغم من ان سقوط الأسد سيمنحها فرصة لموطئ قدم من جديد في المنطقة.
ولا أحد يعلم ما إذا كانت اميركا ستساند أي تدخل عسكري خارجي في سبيل إنقاذ المدنيين كما كان عليه الحال في ليبيا، فهل تغامر أميركا بزعزعة منطقة يتجمع فيها الجهاديون ورجال القاعدة؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news