الثورة ضحية صراعات إقليمية بين معسكرين

انتصار روسيا والصين في سوريـة يعكس انحسـار قوة أميركا

لافروف والمعلم علاقة غيرت الموازين في سورية. أ.ف.ب

يمثل الانتصار الروسي - الصيني في سورية إشارة قوية إلى انحسار الهيمنة الاميركية على الشرق الاوسط، كما أنه يؤسس لسابقة في العلاقات الدولية.

وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة استطاعت روسيا والصين الحيلولة دون سعي الولايات المتحدة وحلفائها لتأمين مصالحها في منطقة ملتهبة من الشرق الاوسط هي سورية.

الفيتو الروسي - الصيني المزدوج في مجلس الامن بالأمم المتحدة نهاية فبراير الماضي يعكس للغرب أن هاتين القوتين العظميين تضعان خطاً أحمر في سورية، لاسيما أن الفيتو الثاني للصين بخصوص سورية، الذي يعتبر الثامن في تاريخها، يعكس مدى أهمية هذا البلد لبكين.

وكانت الرسالة واضحة، وتفيد بأن أي تغيير تدعمه الأمم المتحدة او أي تدخل عسكري أو تسليح للثوار السوريين - كما كان عليه الحال في ليبيا - لن تتم إجازته.

ولكي نفهم الصراع الاقليمي او الدولي حول سورية علينا الاعتراف بأن الديمقراطية او حقوق الإنسان ليست هي المحرك الاساسي لسياسة القوى الخارجية الدولية بشأن الازمة، وعلى الرغم من ادعاء العواصم الغربية بذلك لا يوجد زعيم غربي مهتم بصدق برفاهية الشعب السوري.

ولا يرى الغرب في سورية سوى فرصة لاختطاف موقعها الحيوي الذي تهيمن عليه ايران وروسيا أو تدمير قوتها الاقليمية كلياً بتأجيج الحرب الأهلية هناك، ويبدو ان الهدف الأول (اختطاف الموقع) بعيد المنال عن تلك الدول من غير تدخل الولايات المتحدة الاميركية العسكري، فبعد ان قضى فترته الاولى في البيت الأبيض نائياً بنفسه عن التدخل في أي حرب في الشرق الاوسط، فإن آخر تحرك يفكر فيه الرئيس الاميركي باراك أوباما هو توريط بلاده المفلسة في حرب جديدة في الشرق الأوسط.

كما ان تكليف حلفاء حلف شمال الاطلسي (ناتو) بالتدخل العسكري في سورية خيار بعيد الاحتمال، وعلى الرغم من تلهف فرنسا وبريطانيا لضرب قوات الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في ليبيا العام الماضي، فإن الولايات المتحدة لن تتحمل مرة أخرى الجزء الاكبر من عبء المهمة.

ويبدو ان أوار الحرب الاهلية يتلاشى من خلف الأفق بعد الانتصارات النسبية التي حققها الجيش السوري في الشهور القليلة الماضية والتي جعلت ايضاً احتمال انهيار نظام الأسد بالقوة أو بأي شيء آخر بعيد حتى الأن.

ولم يفتر الجدل الدولي حول شرعية مطالب الشعب السوري بالديمقراطية والمجتمع المفتوح الذي تحكمه العدالة والمعاملة المتساوية، بيد ان المعركة لتلك المطالب بالنسبة لغالبية الشعب السوري يتم خوضها خارج حدود الوطن.

ولم تعد الثورة السورية كما كان عليه الحال سابقاً تعكس حقوق الشعب السوري التي لا حياد عنها، لكن كما هو الحال دائما في الشرق الأوسط ـ ذريعة للصراع من أجل السيادة الاقليمية.

فقد راهنت تركيا على سقوط سريع للأسد، وهو الخطأ الاستراتيجي الفاضح الذي وقعت فيه الحكومة والتي تتعرض الآن لانتقاد حاد من كبار المعلقين الاتراك وقادة المعارضة في الوقت الذي بدا أن الطاغية السوري لايزال متماسكاً. وعلى الرغم من انها لاتزال توفر ملاذا آمنا لمجموعات المعارضة السورية والثوار المسلحين خففت تركيا من لهجتها القاسية ضد الأسد خلال الاسابيع القليلة الماضية، كما تخلت الولايات المتحدة وأوروبا عن الدعوات الصريحة بتغيير النظام السوري وتبنت بدلاً من ذلك، مع كل من روسيا والصين، خطة النقاط الست التي وضعها مبعوث الامم المتحدة كوفي انان للحل السياسي.

وتعد خطة انان انتصارا حقيقيا لروسيا والصين، إذ إنها تعزز من موقفهما بشأن ما يعتقدانه المسار الامثل لحل الازمة السورية. وتقترح خطة انان «عملية سياسية تقودها سورية»، والتي تعكس مطالب موسكو وبكين المتكررة بدعوة الأطراف السورية للحوار من دون تدخل خارجي. كما تدعو الخطة الى وقف أعمال العنف «من قبل جميع الاطراف» دون توجيه أي لوم للنظام أو المعارضة، وكانت روسيا قد صاغت من قبل قرارا لمجلس الامن التابع للأمم المتحدة يلقي اللوم على كل من طرفي الازمة، وهو التحرك الذي انتقدته فرنسا ووصفته بـ«غير المقبول»، لأنه ساوى بين جرائم الثوار والنظام، وان الاشارة الوحيدة في خطة أنان للتدخل الخارجي هو تشكيل فريق من الامم المتحدة للإشراف على وقف إطلاق النار.

ويختلف هذا المشهد بشكل واضح مع القرارين السابقين للأمم المتحدة المدعومين من الغرب اللذين يقترحان تغيير النظام عبر مرحلة انتقالية وفتح الباب على مصراعيه لأعمال اخرى، أو كما فسرته روسيا والصين بأنها اعمال عسكرية.

واستطاعت موسكو وبكين من خلال خطة أنان ان تحصلا على الخطة التي ترغبان فيها والتي حرمت الدول الغربية من موقعها التقليدي كصانعة قرار في الشرق الأوسط. في الأسبوع الماضي كشفت قمة «أصدقاء سورية» التي انعقدت في تركيا عن عدم توافر الفرص المتاحة، كما أن وعد القمة بمساعدة المعارضة ظل وعدا أجوف مثل العبـارات الخطابية الصـادرة لدعـم الثـورة. ووعدت الولايات المتحدة بتوفير معدات اتصال، بينما ستستخدم السعودية وقطر ثرواتهما النفطية لتشجيع الجنرالات السوريين على الانشقاق، وهي الاستراتيجية التي أثبتت فشلها منذ منتصف العام الماضي. التراجع الغربي عن سورية لم يؤثر بعد في الثورة السورية، فقد تنتصر قوات الاسد عسكرياً إلا ان قطاعاً كبيراً من الشعب السوري كسر صمته الطويل ولن يعود للظل مرة أخرى، وفي حقيقة الأمر فإن التدخل الخليجي والغربي في الازمة السورية قد خلق شرخاً وسط الناشطين السوريين اكثر من تسويته للنزاع، وكشف الكثير من زعماء ورجال المعارضة الذين التقيت بهم داخل سورية عن خيبة أملهم في ما وصفوه باختطاف الثورة من قبل القوى الخارجية من أجل تحقيق مصالحها.

ويبدو ان التهديد بالتدخل الغربي قد هدأ الآن، فإذا كان العراق هو العامل المساعد لاضمحلال الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، فإن سورية تمثل النعي لها في المنطقة في الوقت الذي تستعد روسيا المستعيدة لقواها والصين الناشئة للهيمنة على المنطقة.

أنطون إيسا - صحافي أسترالي مستقر في بيروت ومحرر جريدة الأخبار اللبنانية باللغة الإنجليزية

تويتر