‏‏‏بقايا «جيش لاوس الملكـــي» يعيشون كابوساً مستمراً خوفاً «من الأعداء»

«الهمونـــــــغ».. استخدمتهـم المخابـرات الأميركيـة وتــركــتـهـم فـــي الأدغال ‏

المؤيدون لقضية «الهمونغ» استبشروا خيراً بوصول أوباما إلى البيت الأبيض بعد تعهده «بألا يتعرضوا لأي أذى». أرشيفية

‏الهمونغ شعب فيتنامي استأجرته وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) في ستينات القرن الماضي، إبان حرب فيتنام، للوقوف ضد المد الشيوعي في البلاد، وتركتهم لمصيرهم في قلب الأدغال بعد الانسحاب الأميركي من تلك البلاد، ولاتزال هذه القومية محصورة في الغابات بعد ان نسيتهم الـ(سي آي إيه) والعالم أجمع.

رحلة إلى المعسكر

الطريق المؤدي الى معسكر هذه القومية موحل ومتعرج بين الجبال، يبرز من داخل الدغل الكثيف شابان مسلحان ببنادق آلية، يقودان الركب الى معسكر الهمونغ في قلب الأدغال.

في بقعة صغيرة محاطة بأشجار الخيزران جلس اربعة شبان لا تزيد اعمارهم على 18 عاماً يتحدثون لبعضهم البعض ويتصببون عرقاً من الحر الشديد، يعلقون زيهم العسكري الأخضر على اغصان اشجار الخيزران ويحملون على اكتافهم بنادق اميركية قديمة من طراز «اي كي - 47».

هؤلاء هم بقايا «جيش لاوس الملكي» الذي استأجره الأميركيون لإرباك خطوط إمداد القائد الفيتنامي المعارض، هوشي منه خلال حرب فيتنام، وعلى الرغم من اعلان لاوس منطقة محايدة كان الجيش الفيتنامي يعمل من هناك، وتعتبره الـ«سي آي إيه» جبهة اخرى ضد انتشار الشيوعية.

بالنسبة لبقية العالم فإن احتلال سايغون ـ الآن مدينة هوشي منه ـ من قبل جيش فيتنام الشمالية عام 1975 يعتبر النهاية للحرب الفيتنامية، لكن بالنسبة للهمونغ فإنه مجرد البداية، فعندما تسلم النظام الشيوعي «باثيت لاو» الحكم، اعلن أنه سيمحو اثار الهمونغ من لاوس، ومنذ ذلك الحين صار الهمونغ متخفين في قلب الأدغال ومنقطعين تماماً من العالم.

قاد الجنود الشباب في الطريق المؤدي الى شعبهم خلف خطوط العدو في صايصومبون او «المنطقة الخاصة»، كانوا يمشون بخفة ويتكلمون بهمس لأنهم، كما حذرونا، يعتقدون ان العدو في كل مكان.

محاربون يستجدون

الطريق استغرق اياماً وليالي عبر الجبال تفادياً لدوريات «العدو» الى ان انتهى الى بوابة معسكرهم. ألقى جميع من في المعسكر انفسهم على الأرض وصاروا يصرخون بهستيرية من اجل المساعدة، كانت النساء المسنات يرتجفن من الخوف خلال حديثهن عن الرعب الذي شهدنه، بينما يبكي الصغار لمجرد رؤية احد الغرباء للمرة الأولى. عميل الـ«سي آي إيه» العجوز، شو هير، سجد على الأرض طالباً إنقاذ شعبه «اطلب من القادة الأميركيين وقادة العالم ان يأتوا لنجدتنا وإنقاذنا والحيلولة دون اعدامنا من قبل حكومة لاوس، لأننا كنا جنوداً للـ(سي آي إيه) خلال الحرب السرية».

كان شير فير شابا قبل 30 عاماً عندما وضعت حرب فيتنام اوزارها وسحبت الـ«سي آي إيه» عملاءها، واخذت اميركا معها بعضاً من مقاتلي الهمونغ، تاركين وراءهم اكثر من 10 الاف من حلفائهم لمصيرهم، حيث اعدمت حكومة لاوس جميع من قاتلوا بجانب الأميركيين مما اضطر الهمونغ إلى الانسحاب بعيداً الى قلب الأدغال. ويقول جونغ فا ثاو، احد عملاء الـ«سي آي إيه»، بينما كان يمسح دمعة جرت على خده «لم يكن لدينا خيار سوى اخذ الأسلحة التي اعطانا اياها الأميركيون والهروب الى قلب الأدغال»، ويضيف «ثم انضم الفيتناميون إلى حكومة لاوس وبدأوا في اصطيادنا في الغابة مثل الحيوانات، تاركين اجساد أبنائنا لتتعفن وتتحلل».

افراد القوة التي كانت تعرف من قبل بجبروتها وكبريائها يطأطئون اليوم جباههم في الأرض ناسين عزتهم وإباءهم، ويستجدون المساعدة حتى من الصحافيين الزائرين. وباعتبار انفسهم جنوداً في الـ«سي آي إيه» فإنهم يناشدون الأميركيين المجيء لانتشالهم من «الجحيم الذي يعيشون فيه».

يقول شير فير بلهجة اميركية سليمة «أنا من الـ(سي آي إيه) لقد اعطاني السيد جيري في 1970 هذه البندقية وامرني ان اطلق النار على العدو»، ويضيف «فقدنا الكثير من الجنود من اجل الأميركان، وعندما كان جنود لاوس يقتلوننا فإنهم كانوا يشعرون كأنهم يقتلون الجنود الأميركيين، يجب ان تأتي الـ(سي آي إيه) لإنقاذنا».

وربما كان سبب بقائهم هم وأسرهم يناضلون في الأدغال خلال الـ30 عاماً الماضية، هو اعتقادهم أن اميركا ستتدخل وتحررهم في يوم من الأيام. ولكن على الرغم من ولاء ثوار الهمونغ للـ«سي آي إيه» لم تبذل الحكومة الأميركية الا قليلاً من الجهد لانتشالهم من الأدغال.

العميل الأسطورة بيل لير، كان له الفضل في تكوين هذا الجيش من رجال القبائل شبه الأميين لمناهضة الشيوعية. ويدافع لير عن الـ«سي آي إيه» بقوله «ان الـ(سي آي إيه) استخدمت الهمونغ بالفعل ودربتهم بواسطة رجال من تايلاند»، لكنه يضيف أن« الـ(سي آي إيه) ليست مدينة لهم بشيء لأنها قدمت لهم خيار المغادرة، لكنهم اثروا البقاء معتقدين ان بإمكانهم العودة إلى ديارهم في الجبال».

في عام 2007 اعتقلت السلطات الأميركية زعيم ثوار الهمونغ في اميركا، فان باو، بدعوى تآمره لقلب نظام حكومة لاوس، وكان باو هاجر قبل ذلك الى اميركا واصبح زعيم جالية الهمونغ، بيد ان تلك الاتهامات قد تم اسقاطها، الا ان الرسالة ظلت واضحة: اميركا الآن في جانب حكومة لاوس عدوتها السابقة. ويبدو ان قدوم الرئيس الأميركي باراك اوباما إلى البيت الأبيض يعتبر بارقة امل للمؤيدين لقضية الهمونغ، حيث ان اوباما دعا جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي «وضمان أن الهمونغ المهجرين لا يتعرضون لأي أذى». ولكن على الرغم من الاعتراضات الدولية فإن اكثر من 4500 من الهمونغ اعيدوا قسرياً إلى لاوس من قبل تايلاند التي لجأوا اليها، واصدرت اميركا بياناً أبدت فيه مخاوفها من هذه العودة القسرية لكنها لم تتخذ أي خطوة في هذا الشأن.

وفي ما بعد دعت لاوس ثلاثة من رجال الكونغرس الأميركي الذين ادعوا ان العائدين تتم معاملتهم معاملة حسنة، الأمر الذي اشعل الغضب وسط مؤيدي الهمونغ.

بعد اسابيع من ذلك ذكر عضو الكونغرس الزائر جوزيف كاو، انه ينبغي زيادة المساعدات الأميركية للاوس، بيد ان زعماء الهمونغ يعتقدون ان المساعدات الأميركية تستخدمها الحكومة للجيش الذي يستعين بها في القضاء على «حلفاء الـ(سي آي إيه) المنسيين»، كما يحلو للهمونغ ان يصفوا انفسهم. ولعل هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها قادة الهمونغ في الأدغال ان لاجئي الهمونغ قد تمت إعادتهم إلى لاوس، وبدا اليأس ظاهراً على وجوههم.

ويقول شاو فير، وهو ينظر الى جبل بعيد «كنا من قبل نعتقد أنه يمكننا الفرار الى تايلاند، لكن الآن أدركنا انه ليس هناك مكان للفرار إليه»، ويضيف «تمكننا مواصلة الفرار بدلاً من أن نموت هنا قريباً، حيث العدو هناك فوق ذلك الجبل يصطاد شعبنا في هذه اللحظة بكلابه، واصبحت المسألة مجرد وقت قبل وصوله الى هنا».قبل اسابيع من الآن هاجم الجيش الحكومي معسكراً مؤقتاً للهمونغ لإجلائهم من بعض المواقع جزءاً من حملته للاستعداد للدورة الـ25 للألعاب الجنوب شرق آسيوية. وتعرض صبي في الـ14 من عمره للقتل خلال تلك المطاردات، ويدعي قادة الهمونغ انه لم يكن مسلحاً وانما كان يبحث عن عمل ليطعم اسرته. وتقول والدة الصبي اثناء اعدادها الطعام لأبنائها «ابني قتله الشيوعيون الشهر الماضي، لم يكن مسلحاً وانما كان يبحث لنا عن الطعام، ولم يكن لدي القدرة لإطعام اخوته، وما استطيع ان افعله هو ان اموت في داخل منزلي».

وتجبر الهجمات المتكررة للقوات الحكومية على الهمونغ، على تغيير معسكراتهم كل اسبوعين حيث ينقسمون الى مجموعات صغيرة ليتفادوا هجمات حكومية على مستوى واسع، ومثل هذا التنقل المستمر لا يترك لهذه القومية أي فرصة لاتخاذ نمط معيشي سليم، ومع عدم توافر أي خيار معيشي يلجأون الى غلي اوراق الأشجار التي اصبحت غذاءهم الرئيس، وفي بعض الأحيان يحالفهم الحظ في اصطياد بعض الفئران او القرود في الغابة.

هذا النقص الواضح في الطعام جعلهم يعانون سوء التغذية بشكل واضح، حيث يعاني جميع الصبيان والمسنين ضموراً واضحاً في الحشا. وينكر المتحدث الرسمي باسم وزارة خارجية لاوس خين ذونغ نوانثاسينغ، بشدة أي وجود لهذه المجموعة.

ويقول انه اذا كانوا موجودون بالفعل فلن يكونوا سوى «قطاع طرق». ويقول الهمونغ ان الجيش الحكومي زاد اخيرا من حملاته ضدهم بالتعاون مع الفيتناميين وصاروا يدفعونهم عميقاً داخل الأدغال.

وقد كان من المقرر أن يزور فانغ بال العاصمة اللاوسية فيانتيان، في مسعى للوصول إلى اتفاقية سلام، الا ان الزيارة الغيت لأسباب امنية، حيث تقول حكومة لاوس ان بال اذا جاء الى هنا فسيواجه «عقوبة الإعدام لارتكابه جرائم حرب خلال حرب فيتنام».

وعميقاً في الأدغال اصبح الخوف مكتوباً على جميع الوجوه حتى الأطفال. وفي الوقت الذي يبدو فيه ان تايلاند تدير لهم ظهرها وتتجاهل الولايات المتحدة محنتهم، يدركون ان فرص بقائهم على الحياة تتضاءل باستمرار.

تويتر