لحظة

اختبار المرآة

ياسر حارب

كان مشهداً مؤثراً عندما وقف رئيس شركة سامسونغ بعد مشكلة احتراق بطارية هاتف «نوت 7»، وقال ما مختصره: «إنه خطؤنا»، مُقرّاً بالمشكلة التي أصابت هواتفهم، ومعتذراً للعالم عمّا حصل. وقال أيضاً رغم إنهم اشتروا بطاريات من شركة أخرى في محاولة إصلاح الهاتف الفاشلة، إلا أنهم هم المخطئون، لأن المواصفات أتت من سامسونغ. ثم عادت الشركة بعد عام وأطلقت هاتفها الجديد الذي حقق نجاحاً مُنقطع النظير، وكسبت عملاءها من جديد، لأنها كانت صادقة معهم.

ولقد كتبتُ مقالاً تحدثتُ فيه عن دراسة أجريت في إحدى الجامعات، وكانت تلك أول مرة لا أقرأ فيها المرجع العلمي الذي استخدمتُه، واكتفيتُ بالنقل عنه من موقع آخر، واكتشفتُ بعد نشره بأن الجامعة غير موجودة! كانت مفاجأة سيئة، لكنني اعترفتُ بالخطأ والتقصير مباشرة في «تويتر»، واعتذرتُ للقُرّاء، وسحبتُ المقال.

لامني أحدهم لاعتذاري، وقال إن الصمت والاكتفاء بسحب المقال كان أفضل، فقلتُ له: «وكيف سأنظرُ إلى نفسي في المرآة؟». وعندما سألني عن قصدي، أخبرتُه عن كلام جلال الدين الرومي، الذي يقول فيه: «أتدري لماذا لا تُنبِئ مرآتُكَ؟ لأن الصدأ لم يُجْلَ عن وجهها»، ويتحدث مولانا هنا عن تراكم الصفات السيئة في داخلنا، مُشبهاً إياها بالصدأ المتراكم على نفس الإنسان التي شبهها بالمرآة، ولهذا فإنه كلما اكتظّت تلك الصفات في داخل أحدنا، صار أقل صدقاً مع نفسه ومع الناس من حوله. عندما قرأتُ كلام الرومي قبل سنوات، ابتكرتُ اختباراً سمّيتُه «اختبار المرآة»، وكلما لبستُ استعداداً للخروج من المنزل نظرتُ في المرآة، وحَدّقتُ في عيني جيداً لأرى هل ستنكسر نظرتي أم لا؟ فإن انكسرَت فقد خسرتُ احترامي لنفسي، وهو أمر قاسٍ جداً، لكنها لم تنكسر حتّى الآن، رغم عيوبي وهفواتي الكثيرة، لأن الصّدقَ مع النفس منجاة، يُطهّرنا من أدران الحياة، مثل الصلاة وفعل الخير.

من مشكلاتنا نحنُ العرب، أننا لا نُتقن لغة الاعتذار، ونجدها ثقيلة على نفوسنا، لأنه يضعنا في قائمة المذنبين، رغم أنه في بعض ثقافات العالم يُعتبر من اللباقة الاجتماعية، فتسمعُ أحدهم يقدم اعتذاره قبل بدء حديثه، فيقول مثلاً وهو يستأذن في سحب كُرسّي تابع لطاولتك: «عُذراً، هل يمكنني الحصول على هذا الكُرسي؟».

رسالتي لكل من يعتقد بأن الخطأ عيب في حق الإنسان، هي أنه من يبحث عن عمل خالٍ من أخطاء، فالأفضل له أن يجلس في بيته، ومن يظن أن الخطأ غير المقصود سينهي سمعته أو حياته المهنية، فلقد ارتكب خطأ أكبر بمجرد التفكير في هذا الخاطر.

إن أخطاء الإنسان تجعل منه نسخة أجمل إن أقرّ بها وتعلم منها، وما الأخطاء إلا درجات نرتقي بها في سُلّم الحياة. قرأتُ مرة هذه المقولة الجميلة، وللأسف، لا أذكر لمن، لكنها حَرِيّة بالتأمل قليلاً: «مَن مِنكم لم يخطئ فليرفع يديه لنُنَصِّبَهُ نبيّاً علينا».

yasser.hareb@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

تويتر