الإمارات اليوم

5 دقائق

الترجمة من العربية إلى العربية

:

تجربة مُتعبة جداً هي قراءة كتاب أدبي يعود إلى القرن الثالث الهجري، فاللغة العربية الدارجة آنذاك تختلف كثيراً عن اللغة المكتوبة في وقتنا المعاصر. إحدى تجاربي الشخصية كانت مع «حي بن يقظان» التي تعد أول رواية عربية، لا أنكر أن فكرتها الفلسفية عميقة جداً، إلا أنني كنت مستاءً جداً من الهفوات الكتابية المرتبطة بفنيات الرواية التي وقع فيها ابن طفيل، ثم خجلت من نفسي حينما قرأت آخر فقرة في الرواية يعتذر فيها ابن طفيل للقارئ عن تقصيره.

نحن نروج لثقافة تسلط الضوء على الجديد، وتسوّق للحداثة باعتبارها السمة الأساسية لمنتجات هذا العصر، وتغفل التراث الأدبي التليد.

القراءة تُحسن التفكير وتمنح المهارات، وبالتالي تُكسب القارئ ميزة تنافسية عن سواه، والجدل الكبير هنا في ما إن كانت الكتب التراثية لها القدرة نفسها للكتب الجديدة في إفادة القارئ. غالب جمهور القراء يعتقد أن لا طائل من وراء الكتب القديمة لثلاثة تصورات سائدة، هي أن الجديد أَجَلّ قيمة من القديم، وأعظم أهمية، وأكثر دقة.

خلص أحد الباحثين في علم المكتبات إلى أن «هناك فكرة غريبة سائدة في أن كل الكتب التراثية مخصصة للمهنيين أصحاب الصنعة المتخصصين، وأن القراء الهواة لهم الكتب الحديثة فقط»، ويقصد مثلاً أن كتاباً كالبيان والتبيين للجاحظ هو محل اهتمام المتخصصين في اللغة العربية فقط.

وبالتالي نحن نروج لثقافة تسلط الضوء على الجديد وتسوق للحداثة باعتبارها السمة الأساسية لمنتجات هذا العصر، وتغفل التراث الأدبي التليد، لذا نجد مثلاً أن صحفنا العربية تعطي الأولوية للإصدارات الجديدة في ملاحقها الثقافية، الأمر يختلف كلياً خارج حدود منطقتنا العربية، فالأدب الروسي الكلاسيكي - على سبيل المثال - يعد ثروة قومية متجددة، أما في أوروبا فهناك مؤسسات محترفة في تحرير الكلاسيكيات الأدبية وإعادة إنتاجها في صورة إصدارات مقروءة ومرئية، حتى باتت الآن وظيفة المحرر الأدبي توازي أهمية الأديب نفسه وتتفوق عليه.

مبادرة «تحدي الترجمة» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي - رعاه الله – تعكس اهتمام سموه الشخصي بدور الترجمة في التواصل الحضاري بين الشعوب، وإلى جانب هذه المبادرة يجب على المؤسسات الثقافية العربية أن تنشط في الجانب الآخر المرتبط بتجديد الإرث الأدبي العربي من خلال إعادة كتابته بلغة العصر بعد تنقيحه، لتضمن التواصل الحضاري بين هويتنا الحضارية العربية الممتدة لقرابة الألفي عام وبين الجيل الجديد من القراء، وتقديم عمل روائي عظيم مثل «حي بن يقظان» في حلة عصرية تلتزم بقواعد الكتابة الروائية وفنياتها في لغة سهلة مفهومة.

snd.sultan@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

مواد ذات علاقة