الإمارات اليوم

5 دقائق

كوكب الصحوة

:

استطاعت ما يُسمى بـ«الصحوة الإسلامية»، أن تبني في دول الخليج العربي حياة رديفة ذات قيم خاصة، فشيّدت عالماً في كوكب وهمي متكامل الأركان، يتصف بالموضوعية والوسطية، وفق منظور سكان كوكب الصحوة، والنتيجة كانت في إفرازات مجتمعية مشوّهة - متدينة وغير متدينة - مصدر قوتها أنها حين تبدأ، فإنها تضم إليها جميع الأطياف والجماعات الدينية بلا استثناء، ويكاد يجمع سكان كوكبها على وجود رابط بين أصالة أفكار الصحوة وقِدَمها، معتقدين أن مرور عشرات القرون على الأفكار نفسها تمنحها صفة الأصالة حتماً، وتنفي قدرة الزمن على تحويلها إلى أفكار رثة بالية.

وقع سكان كوكب الصحوة في إشكالية كبرى، حينما خلطوا ما بين الموضة وبناء الحضارة الإنسانية، فكل ما يحويه الفكر الصحوي، لا يعدو كونه مجموعة تَقْليعَات تنحصر في الشكل الخارجي للأفراد، ولغتهم المتداولة، حتى ظهورها في كيانات الإسلام السياسي بدا أحمق على صعيد الغايات، وهزيلاً على مستوى الطرح، والفارق هنا أن الحضارة الإنسانية هي نموذج أخلاقي معرفي متطور، يتعامل مع معطيات الحاضر ومتطلبات المستقبل، نموذج لا يستخدم الماضي كأنه سكة حديد يجب الدوران فيها إلى ما لانهاية.

يعتقد البعض مخطئاً أن الصحوة هي شأن داخلي خاص بمنطقتنا العربية، والحقيقة أن كل الأديان لدى مختلف الشعوب تمر بالموجات الصحوية نفسها، ولعل أقرب هذه الصحوات لنا، الصحوة الأميركية المسيحية الكبرى، حيث لقيت تلك الصحوة قبولاً شعبياً كبيراً، حينما تمكنت من إحياء العاطفة الدينية، بعد أن طورت الخطاب الديني - مطلع القرن الثامن عشر - ومكنته من تأويل النص، وتزيينه بالعلوم والفلسفة والمنطق، وانحصرت غاية تلك الصحوة - آنذاك - في تحويل كل الناس نحو كنيسة واحدة، واستمرت في التصاعد فترة من الزمن، ثم سرعان ما انهارت.

يعود سبب تلاشي الصحوات الدينية بعد بلوغها قمة عنفوانها، وأوج قبولها الشعبي، إلى تفرق صفوف نشطاء الصحوة وتنازعهم، بسب غياب ميثاق عمل مشترك يجمعهم، رغم وجود فقه الحركة، المتمثل في أخذ الرأي حصرياً من عالم أو منهج دون آخر، رغم الاتفاق على نمط فكري مشترك - يسمى الثوابت - ونسق تربوي واحد.

snd.sultan@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

مواد ذات علاقة