الإمارات اليوم

أبواب

متى نرتاح؟

:

أعجبني كاريكاتير قديم للرسام الأردني المبدع عماد حجّاج، يستعرض فيه المراحل المهمة في الحياة، والبحث عن الراحة المفقودة، فلكل مرحلة متاعبها، وكلما أنجز المرء خطوة نحو الراحة فتحت أمامه خطوات من الشقاء.

• «.. تزوّجنا فتبخّرت الراحة منذ الأسبوع الأول، كما تبخّر النقوط.. فظننا أن الراحة بإنجاب الأولاد، حضر الأولاد ولم تحضر الراحة..».

بالفعل أيام المدرسة كان الخلاص من امتحان الثانوية العامة هو الهمّ الأبرز في حياتنا، لذا كنّا نعتقد أن الحياة ستورق وروداً بعد الخلاص من رائحة الكتب وامتحان الوزارة، وكان من سبقونا يعطوننا إبرة مهدئ عندما يقولون: «بكرة بس تخلص منه بترتاح».. قدّمنا الامتحان ونجحنا ودخلنا دوّامة الجامعة.. شعرنا بأن إكمال السنوات الجامعية والنجاح في كل المواد هم جديد، فقالوا: «بكرة بس تتخرّج بترتاح».. بعد أن حصلنا على الشهادة، وتبدد ضباب الفرحة بالتخرّج، بدأنا التفكير في الوظيفة حتى «نرتاح»، فزادت سرعة الجري وراء الراحة أكثر من ذي قبل.. إلى أن تيسّرت الوظيفة بعد سنوات عجاف من المحاولات البائسة، لكن الراحة لم تكن باستلام الراتب، وإن كان له مفعول «زيت القرنفل في وجع الأسنان»، يخدّر ولا يعالج.. وصلنا إلى قناعة مؤقتة بأن سرّ الراحة يكمن في الزواج، وهنا «رمى» إبليس ورقة الجوكر على طاولة الخيال، فصرنا نشاهد جميع المتزوّجين على أنهم نسخ مكررة من «روميو وجولييت»، لم نر تلك الزاوية المخبأة من الشجار و«المناقرة» ووجبات النكد اليومي.. تزوّجنا فتبخّرت الراحة منذ الأسبوع الأول، كما تبخّر النقوط.. فظننا أن الراحة بإنجاب الأولاد، فحضر الأولاد ولم تحضر الراحة، صار التفكير في تلبيسهم وتدريسهم وتأمين مستقبلهم وشراء أو بناء بيت يحميهم من نوائب الزمان، كبر الأولاد وصرت تمارس الكذب الذي وقعت فيه، فمثلاً أيام الامتحانات تؤكّد لهم أنهم إذا انتهوا من «الثانوية العامة» بنجاح وتفوّق سيرتاحون طوال حياتهم.. بعدها المساعدة في توظيفهم وتزويجهم ومساعدتهم في التربية والتغلب على المشكلات التي تواجههم.. في كل هذه الأحداث والطموحات الجري مستمرّ وراء الراحة.

في اللحظة الذي يثبّت أحد الأقرباء، أو متعهّد الدفن الشاهد فوق القبر الجديد، مكتوب عليه: «الفاتحة على روح فلان» تحلّ الراحة فقط.. ولسان حال الموقف يقول: الآآآآآآآن ارتاح.

الخلاصة الحياة مثل «التريد ميل/‏‏جهاز الركض.. كلما ضاعفت أرقام الطموحات والأمنيات زادت سرعة ركضك خلفها»، ولا ترتاح إلا إذا «زمّر» جهاز الحياة، وأعطاك أصفار الترجّل والنزول.. صفر أمنيات.. صفر زمن متبقٍ.. صفر ركض.. صفر سعرات سعادة...

عندها تنزل وتترك المكان لغيرك يركض...

ahmedalzoubi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

المزيد من الأعمدة
آخر الأخبار
مواد ذات علاقة