الإمارات اليوم

5 دقائق

المبادئ المرنة

:

«هذه مبادئي، لكن إن لم تعجبك فلدي غيرها»، مقولة شهيرة للكاتب والممثل الكوميدي الأميركي الساخر، جروتشو ماركس، يطبقها الكثير من الساسة والأشخاص، على اختلاف طبقاتهم، أي أنه يمكن تفصيل المبادئ بحسب المقاس، وبحسب المتلقي، وللأسف الشديد يبدو أن هذا هو زمن المبادئ والقيم المرنة، فيبدو أن الثوابت تلاشت، وأن القيم لم يعد لها محل من الإعراب، وأصبحت المادة والمصلحة هما الفيصل النهائي في التعاملات، بل إن البعض أدخل الدين في هذه الدائرة، فبعض مُدّعي الإفتاء يمكن أن يُفصِّلوا الفتاوى الدينية بحسب الأهواء والمصالح الشخصية البحتة، والهوى أيضاً، وتُطالعنا من حين إلى آخر قنوات التواصل بتوثيق لكثير من هذه المتناقضات للأشخاص أنفسهم، وأحياناً يكون الفاصل الزمني بين التحول في المبادئ والقيم قصيراً جداً، فلا يتعدى عامين أو ثلاثة!

• عدم الثبات على المبدأ بذرة لكثير من الشرور، أهمها الفساد بأنواعه، إدارياً ومالياً وفنياً.

الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص لا يدركون أنهم يقتلون أجيالاً، ويمحون كل ما هو جميل، لأنهم بذلك يدحرون معنى «القدوة الحسنة»، فلا عزاء للأجيال القادمة التي لن تجد أمامها قدوة حقيقية، ولن تعرف مفهوم المبادئ والقيم الثابتة، بمرور الزمن، وباختلاف المواقف.

إن عدم الثبات على المبدأ هو بذرة لكثير من الشرور، أهمها الفساد بأنواعه، إدارياً ومالياً وفنياً، بل إن الكثير من الجرائم التي تحدث يجد أصحابها المبرر الأخلاقي، وربما الشرعي، لارتكابها.

المتأمل لما يدور في العالم قد يصاب حقاً بالإحباط، فيبدو أن كل الأشياء الجميلة في طريقها للانحدار والاضمحلال، ومن يقارن المشهد العام الآن، سواء في الإعلام أو التعليم أو حتى في مناحي الحياة اليومية، يجد الكثير من السلبية والعشوائية في كل شيء، والأسوأ من ذلك أنه لا سبيل للتحسين، خصوصاً أن الثوابت التي نشأنا عليها يتبارى الكثير من الأشخاص للتشكيك فيها، وكل يوم نرى من يخرج علينا بنظرية جديدة، إن لم تثبت صحتها فهي تترك خلفها ضجيجاً وتشويشاً يربك العقل والوجدان.

هل يمكن إنقاذ الأجيال القادمة من خلال منظومة من القيم يتم تضمينها في المناهج التعليمية، وليس المناهج فقط، بل طرق وأساليب التعليم والتعلم؟

هل يمكن تنقية الموروث الثقافي والتاريخي وإيصاله بحيادية ومهنية وموضوعية للأجيال القادمة دون «تفصيله» على المقاس! أعتقد أنه لابد أن يحدث تغيير مدروس وسريع وممنهج في الوقت نفس، لأن التغيرات التقنية والأخلاقية والأيديولوجية، وحتى المناخية، التي يمر بها العالم، هي تغيرات مخيفة، وتندرج ضمن علامات الساعة.

هل هناك أمل؟

هل يمكن أن يحدث تغيير إيجابي؟

يعلم الله.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

المزيد من الأعمدة
آخر الأخبار
مواد ذات علاقة