الإمارات اليوم

5دقائق

منتدى فقه الاقتصاد الإسلامي

يمر الاقتصاد الإسلامي اليوم بنهضة كبيرة، من خلال تبنيه من قبل دولٍ إسلامية وغيرها، وتحولِ كثير من البنوك التقليدية إلى إسلامية، ونشأة بنوك ومصارف جديدة بمنهجية إسلامية في كل الدول الإسلامية تقريباً، ما يجعل تطوير بنيته التشريعية أمراً حتمياً لمواكبة هذا الانفتاح الكبير عليه، وقد دأب علماء الشريعة الإسلامية والاقتصاد والمحاسبة على بذل جهود كبيرة لمواكبة هذا التطور الفائق السرعة، فأوجدوا منتجات كثيرة، وأسسوا منهجية طيبة، وأفادوا كثيراً، ولله الحمد.

وقد كان لدبي سبق التأسيس، فانطلق منها انطلاق الطير من وكره، وهذه منقبة عظيمة لدبي السبّاقة لكل خير ونفع، ولم تكتف بذلك حتى سبقت إلى الاحتواء الرسمي لتكون عاصمة للاقتصاد الإسلامي، كما أعلن ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عام 2013، ما جعل الاقتصاد الإسلامي يحظى بمزيد الثقة وقوة الملاءة، وقد حتّم عليها ذلك أن تفتح له آفاقاً أبعد من المصارف، ليشمل منتجات الحلال والسياحة والإعلام والمعرفة والبنية التحتية الرقمية والمعايير، ليتكامل نمو الاقتصاد الإسلامي بجميع جوانبه.

وقد كان من ثمار هذا الاحتواء الرسمي أن توالى نشاط دبي في هذه المجالات، وأنشأت مركزاً متخصصاً لتحقيق هذه الاستراتيجية الكبيرة، وأسهمت دائرة الشؤون الإسلامية، وهي عضو في هذه الاستراتيجية، يمثلها مديرها العام الدكتور حمد بن الشيخ أحمد حمد الشيباني، أسهمت بإقامة منتديات متتالية لتحقيق البيئة التشريعية من خلال التنظير الفقهي المؤصل، كما كانت تستشرف هذه الاستراتيجية من خلال مؤتمرها الأول عن المصارف الإسلامية عام 2009، على أنقاض الأزمة العالمية الخانقة، فأعطى ذلك المؤتمر مؤشراً تفاؤلياً بتعافي الاقتصاد الوطني، وهو ما منّ الله تعالى به على أثر المؤتمر بوقت غير بعيد.

وها هي في هذه السنة تواكب توجه الدولة المبارك بجعل هذا العام 2017 «عام الخير»، فجعلت منتداها في هذا الخصوص بعنوان «عمل الخير نماءٌ للاقتصاد الإسلامي»، ليكون بحث تفعيل الاقتصاد الإسلامي من زاوية عمل الخير، لما له من أثر في تفعيل الاقتصاد الإسلامي، من خلال محاور الزكاة والوقف وعموم الصدقات والتبرعات.

فإن هذه الأمور هي دأب المسلم، بل هي جزء من حياته الدينية والاجتماعية، وهي دأب الإنسان أيضاً، لأن الإنسان لا يخلو من فعل الخير وقفاً أو تبرعاً، ولهذه المحاور أثر كبير في تفعيل الاقتصاد، فكان لابد من بيان أثرها في الاقتصاد الإسلامي، وهو ما سيكون من خلال منتدى فقه الاقتصاد الإسلامي الثالث، الذي سيشارك فيه عدد كبير من المتخصصين الشرعيين والاقتصاديين، لطرح رُؤاهم من خلال الأبحاث التي قدموها، والنقاش المتوقع منهم، في أبواب متفرقة من الزكاة والأوقاف وأعمال الخير عموماً، وسيكون لذلك أثر كبير في تنشيط أعمال الخير، بما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الإسلامي، وسد الحاجات المجتمعية التي لا تسد إلا بمثل هذه الأعمال الخيرية.

وإذا كان المجتمع الإماراتي مجتمعاً خيرياً بطبعه ووضعه، فإنه لا يقف عند حد نفسه، بل من خيريته أن يجعل غيره خيّراً كذلك، حتى يتكامل الخير في المجتمع المسلم كله، وهذا المنتدى سيكون، إن شاء الله، شمعة مضيئة في علم الاقتصاد الإسلامي، إذ يلفت أنظار المسلمين وغيرهم إلى الاتجاه نحو هذه الأعمال الخيرية، فيسهم كل بما يستطيع الإسهام فيه، حتى يزداد خيره في نفسه، فإن الله تعالى يعطي كل منفق خلفاً، ويعطي كل ممسك تلفاً، كما صح في الحديث، كما أن المسلم على وجه التحديد يتاجر مع ربه، فتكون تجارته رابحة من غير خسران، إذ يربح أضعافاً مضاعفة، ويخلف عليه خلفاً مباشراً كثيراً، كما وعد سبحانه.

ومثل هذه الأمور هي قضايا فقهية، تحتاج إلى تثقيف وتشريع، أما التثقيف فبمثل هذه الأبحاث المعروضة والمقبولة، وأما التشريع فبما يخرج به من توصيات تكون قابلة للتفعيل والتطبيق في الدولة وخارجها..

* «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

مواد ذات علاقة