5 دقائق
شروط
هجوم تلو هجوم، وهجمات مرتدة، وضرب من خلف ظهر الحكم تمارسه الفئات «النخبوية الإعلامية» على الإعلام الشعبي والوطني، فالـ«نخبويون» يريدون من البرامج التلفزيونية والإذاعة والصحف الحديث عن موقف الصين من منظمة التجارة العالمية قبل الحديث عن عدم توافر أي «مواقف» امام برج الغيث في أبوظبي، ويريدون الحديث عن رادارات الإنذار المبكر التي تنوي الولايات المتحدة نشرها في جورجيا لأنها أهم من الحديث عن رادارات أم القيوين التي تصيد على الخمسين، والحديث عن الاحتباس الحراري في القطب الجنوبي قبل تلوث بحيرة خالد، والحديث عن تداعيات سقوط جدار برلين قبل الحديث عن سقوط إيجارات منطقة بحيرات الجميرا، وإلا فتهمة «السطحية» معلبة وبلا تاريخ انتهاء!
النخبويون يذكرونني تماماً بتلك «المؤسسة» الثقافية العملاقة التي وضعت في القمامة عشرات المسودات لكتّاب إماراتيين ناشئين، ولكنها طبعت طبعات راقية من «أثر المطبخ الألماني على المشهد الثقافي الفرنسي» و«الثورة في بوليفيا وصناعة الأسلحة» و«تاريخ الغراب الثقافي والطبيعي عند بوريا ساكس» وهذا الكتاب الأخير كان فعلاً ينقص المكتبة العربية!
هل فعلاً الجمهور الذي وصل إلى درجة من الوعي بما يريده وما يفهمه ولم يعد «بعد الربيع كما كان قبله» لايزال يرتضي أن تفرض عليه املاءات الفلاسفة والأدباء النخبويين؟ أم يريد إعلاماً محلياً يتواصل مع همومه اليومية التي هي بالنسبة له أهم من ثقب الأوزون وجميع الثقوب الأخرى؟! ولهذا بقي مثقفونا دائماً في عالم وبقي الشباب المحب للحركة والحياة والبساطة والعفوية والكلمة المباشرة في عالم آخر بعيد ومنعزل تماماً عن عالم «الأصنام المثقفة»!
سترى البصمة نفسها في كل المنافذ الإعلامية والأدبية، فلابد للمثقف من أن يكون قد أمضى شطراً في فرنسا، ولابد أن يتحدث كثيراً عن رقصة زوربا الأخيرة، ولا يمكن لروايته إلا أن تبدأ في حانة باريسية، وعليك التأكد من أن الصورة تظهر غليونه الذي يتدلى بوضوح «قوطي الدوخة في التجربة المحلية سيكون امامه على الطاولة»، وبالطبع فإن التجاوز على المقدسات والذات الإلهية يعتبر «أوبشن» في أغلب رواياتهم! وإذا اردت أن تصبح من النخبة او تكتب للنخبة فعليك تحقيق أربعة من الشروط الخمسة على الأقل!
اكتشفت أخيراً لفرط جهلي أن جائزة البوكر تلفظ booker (كاتب) وليست poker كما كنت أعتقد انها تلفظ مثل اللعبة التي كنا نلعبها على الحواسيب في مراهقتنا، وعند قراءتي قائمة المرشحين في الدورة الأخيرة وجدت ان ثلاثة منهم شغلوا منصب «وزير ثقافة» ذات يوم! ولهذا شربت الجائزة نخب النخب ولكنها لم تصل حتى اليوم إلى جمهورها.. الشعبي.
Twitter:@shwaikh_UAE
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .