رؤية
الفجوة بين ودائع المصارف وقروضها
المصرف التجاري هو وسيط مالي بين مساهم مودع كطرف، ومقترض هو الطرف الآخر. وتستفيد المصارف التجارية من حجم الودائع لديها في منح قروض وتسهيلات للراغبين في تمويل مشروعاتهم، أو تنفيذ صفقاتهم، أو توفير احتياجاتهم، ولكن حينما تتوسع المصارف التجارية في الدولة في منح قروض وتسهيلات تفوق حجم الودائع لديها، تحدث الفجوة التي تؤدي إلى الصدمة، وتضع هذه المصارف نفسها في موقف لا تحسد عليه، سواء أمام المودعين الذين يتساءلون عن ودائعهم، أو المساهمين الذين يفزعون خوفاً من ضياع رؤوس أموالهم.
والمصرف المركزي، المسؤول الأول عن السياسة المصرفية، حينما يتأكد له أن تقارير مفتشية إما أنها غير دقيقة ومجافية للحقيقة، أو أنها تحمل في طياتها حقيقة مرة تتطلب التدخل السريع من قبله، لتصحيح المركز المالي للمصرف التجاري الذي يجب أن تكون ودائعه في كل الأحوال تغطي حجم قروضه، وإلا تعرض لأزمة مالية، وشُح في السيولة، يترتب عليها تعريض سمعته وسمعة القطاع المصرفي لوضع حرج!
وإذا كان المصرف المركزي حدد حجم الفجوة بنحو 35 مليار درهم نهاية ديسمبر ،2009 فإن المعطيات والمؤشرات تشير إلى أن هذه الفجوة هي أكبر من ذلك، وقد كانت 71 مليار درهم نهاية ديسمبر ،2008 ولكن المصارف التجارية تتدخل لتغطية بعضها بعضاً، خشية تأثرها هي أيضاً بتداعيات هذه الفجوة، وتكون الصدمة أشد قوة، حينما نعلم أن حجم الفجوة لدى أحد المصارف الوطنية، بلغ ما يقارب الحجم نفسه المعلن عنه.
ولكن حينما يتحدث المسؤولون في المصرف المركزي عن هذه الفجوة، فإنهم يشملون فجوة هذا البنك التجاري ضمن الحجم الإجمالي للفجوة لتقليل الأثر السلبي، أو الانعكاسات الخطيرة التي تترتب على هذا البنك خصوصاً والمصارف التجارية الأخرى عموما.
إن الأزمة المالية العالمية عام ،2008 كشفت حقيقة الأوضاع المالية لهذه المصارف، وحجم الفجوة بين ودائعها وقروضها، لاسيما بعد الطفرة الاقتصادية التي شهدتها الإمارات، ما أدى إلى توسع المصارف في منح الائتمان المصرفي، الذي تركز على قطاع العقارات، والإنشاءات والمضاربات في أسواق الأسهم والعقارات في الدولة.
وبعد أن انكشف الوضع المالي لهذه المصارف، وتبينت حقيقة تقارير التفتيش على المصارف التي ربما تغاضت عن حقيقة حجم الفجوة بين ودائع المصارف وقروضها، تأكد للمساهمين، والمودعين، والمسؤولين في الدولة، بمن فيهم محافظ المصرف المركزي، أنه لا مناص من التدخل السريع لمعالجة هذه الأزمة التي هزت القطاعين المصرفي والمالي، وربما الاقتصادي.
لقد تأكد للحكومات المحلية، والمصرف المركزي، والرأي العام، أن بعض هذه المصارف متورطة في منح قروض خارجية ضخمة، وكانت طرفاً في قضية الرهن العقاري التي كانت سبباً من أسباب الأزمة المالية العالمية عام ،2008 وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تتأثر هذه المصارف بالهزة التي تعرضت لها الأسواق المالية العالمية، لكونها طرفاً في تمويل صفقات المضاربات المالية الخاسرة في تلك الأسواق، لاسيما ذات الأوضاع المتردية.