ثمة فارق كبير بين الدولة والحركة. وهذا الفارق هو ما يشكل المأزق البنيوي للكيان الصهيوني في هذه المرحلة، التي بدأت مع احتلال العراق، وحرب تموز على لبنان.
لقد نشأ الكيان الصهيوني على أكف الحركة الصهيونية، التي هي بمثابة ثورة شاملة، بصرف النظر عن الأحكام السياسية المتباينة. فالثورة فعل وحركة تهدف إلى تغيير كلي وشامل، وهذا ما قامت عليه الحركة الصهيونية. أي أن مفهوم الثورة لا يرتبط دائماً بالجانب الأخلاقي والقانوني.
وقد ترتب على نشوء الحركة الصهيونية ثقافة ثوروية متطرفة، تمثلت في مناحي حياة الكيان الصهيوني منذ الاعتراف به دولة شرعية. وعلى الرغم من اعتراف العالم بهذا الكيان/الحركة دولة شرعية، إلا أن ثقافة الكيان ظلت محكومة بدينامية الحركة الثوروية، الأمر الذي جعل الكيان كله خارجاً على القانون الدولي من دون مساءلة، على الرغم من كل ما اقترفه من جرائم بحق الفلسطينيين والعرب عموماً، وهي جرائم تخضع في الوضع الطبيعي إلى المساءلة والعقاب.
ولعل ثقافة الحركة/الثورة، تجذرت في بنية الكيان الصهيوني، وتدعمت على أيدي مثقفي هذه الحركة، بحيث بات من الصعب الآن، وبعد مرور قرن على نشأة الحركة الصهيونية، وأكثر من 60 سنة على قيام الكيان الصهيوني نفسه، أن يتحول الكيان من ثقافة الحركة إلى ثقافة الدولة.
فالآن، وبعد الحروب الكثيرة التي شهدها القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الحالي، يبدو أن العالم اقتنع بضرورة انتقال الكيان الصهيوني من بنية قائمة في جوهرها على ثقافة الحركة/الثورة، إلى بنية قائمة في جوهرها على ثقافة الدولة. أي أن على الكيان الصهيوني أن يقوم بتغييرات بنيوية جذرية، تطال ثقافته أولاً وقبل كل شيء. وحين نتحدث عن الثقافة، فإننا نتحدث عن كل ما يتعلق بالبنية الكلية للكيان، من أفكار ومفاهيم وتصورات وقيم. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي يواجهها الكيان الصهيوني الآن.
لا نريد الخوض في الضرورات التي أقنعت الغرب بهذه الضرورة، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى أن وجود الحركة ثقافياً في قلب الوطن العربي يتنافى مع وجود المحيط ثقافياً، بوصف هذا المحيط قائماً على ثقافة الدولة.
لقد بدأ الغرب هذا المشروع أولاً من طرف واحد، حين أقنع منظمة التحرير الفلسطينية، بضرورة تحويلها إلى كيان يشبه الدولة، ما يحتم عليها التخلي عن ثقافة الثورة، التي تتخطى في حساباتها القوانين والأعراف الدولية. ولعلنا شهدنا جميعاً كل هذا التخبط والإرباك الذي أصاب الثورة الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو وحتى الآن، بوصف هذه المرحلة مرحلة انتقالية تمس الجوهر.
لقد أدرك عدد من أفراد النخب السياسية والثقافية في الكيان الصهيوني هذا المأزق، وأصبحوا يعبرون عنه في أشكال متباينة، فاقتنعوا بضرورة وقف الاعتماد على ثقافة الحركة، وبنية الحركة، من دون أن يسمّوا ذلك مباشرة. ولكنهم يعبرون عن ضرورة أن يصبح الكيان الصهيوني دولة عادية، لكي يتسنى له البقاء والاندماج في المحيط والحاضنة الإقليمية. ولن يتم هذا إلا بخلق ثقافة قد تكون مغايرة، ولكن لا ينبغي لها أن تكون إقصائية وعنصرية وفوقية. فمثل هذه الثقافة تستدعي رد فعل مضاداً بالضرورة، وهذا ما بات الغرب على قناعة بضرورة التخلص منه، بالنظر إلى انعكاساته على استقرار هذا الغرب والحفاظ على مصالحه.
تعليقات