‏مرافئ‏

‏المثقف العربي واحتمالات الحرب ‏

‏لا أحاديث في هذه الأيام سوى عما يتعلق بالحرب. فالشاشات العربية كلها والصحف مشغولة بالحديث عن الحرب التي يعد لها الكيان الصهيوني خلال أشهر قليلة مقبلة. وهذا الأمر متعلق بالبنية السيكولوجية للمثقف العربي أولاً وقبل كل شيء. هذه البنية قائمة على دعائم محددة، ولا تريد أن تغيرها، لأنها غير قادرة على ذلك. ومن هذه الدعائم تبرز دعامة رد الفعل، ودعامة التفكير الرغائبي، ودعامة مطابقة الحاضر بالماضي.

واعتماداً على رد الفعل في البنية الثقافية العربية، فإن المثقفين العرب لا يُتعبون أنفسهم في قراءة الوقائع والمعطيات القائمة والمتحركة، ويكتفون ببلورة آرائهم ومفاهيمهم على ما يصدر من الطرف المقابل. ومن هنا فإن التهديدات الصهيونية بشن حرب قريبة، والمناورات المتكررة التي يقوم بها جيش العدو، تبلور رد فعل محدداً عند المثقف العربي، مفاده أن هذه التهديدات والمناورات ليست للتسلية، وأن الحرب لابد قادمة. واعتماداً على مطابقة الحاضر بالماضي، فإن المثقف العربي يرى أن العدو الصهيوني الذي شن حروباً عدة، وانتصر فيها من قبل، قادر على شن حرب جديدة وقتما أراد، وقادر على تحقيق النصر أيضاً. وحتى أولئك الذين يرون بعض مظاهر القوة الردعية العربية، لم يتمكنوا بعد من جعل هذه القوة حقيقة اجتماعية، يمكن الانطلاق منها في قراءة الحاضر والمستقبل. والسبب يكمن في تراكمات هائلة من الخيبات التي أنست المثقف العربي حركية التاريخ.

واعتماداً على التفكير الرغائبي، فإن المثقف العربي يطمح حقاً إلى التغيير. ولكنه لا يرى أي أفق للتغيير سوى في حرب جديدة في المنطقة. أي أنه عاجز عن تصور تغييرات في البنية العربية المهلهلة، فيهرب إلى تغييرات محتملة من خلال عامل خارجي، كحرب جديدة يشنها العدو الصهيوني، قادرة على قتل الجمود المصمت في البنية العربية التي تبدو أبدية. وبناء على ما سبق، فإن معظم المثقفين العرب، يعتقدون بقيام حرب في المرحلة المقبلة. ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم الذهاب إلى أبعد من تلك الدعائم التي يقوم عليها تفكير المثقف العربي.

لا يريد المثقفون العرب، وربما لا يعرف الكثيرون منهم، كيف يربطون بين الحالين الإقليمية والدولية من جهة، وبين الحال في المنطقة العربية من جهة ثانية. ولا يريدون، وربما لا يعرفون كيف تتم قراءة البنية المعادية، وما تعنيه الحرب للعدو، إلا ما خبروه عبر مسيرة طويلة. وبمعنى آخر، فإن المثقف العربي يظل مستلباً لما راكمه عقله وذاكرته من خبرات ووقائع، من دون أن يفكر في التحولات الجوهرية التي هي وحدها يمكن وصفها بالحتمية التاريخية. هذا لا يعني أن الحرب مستبعدة، ولكننا فقط نود أن ننبه إلى ضرورة التفكير في شكل أعمق. فربما تقع الحرب حقاً، ولكنها لن تقع لأن العدو يهدد بشنها. وربما لا تقع الحرب أبداً، لا في القريب ولا في المدى الأبعد. فثمة ما يؤيد فكرة الحرب من متغيرات منتظرة وقائمة، وثمة ما يحول دون وقوعها بالقدر نفسه أو أكثر. وإذا ما رغب المثقف العربي في تغييرات جوهرية تطيح بالسكونية العربية المصمتة، فإن عليه أن يفتش عن أسباب هذه التغييرات وحوافزها، ويركز جهوده على تبيانها وكشفها ونشرها والترويج لها، عوضاً عن انتظار هذه التغييرات على ظهر دبابة صهيونية.‏

 

damra1953@yahoo.com

تويتر