الإمارات اليوم

باتريك.. «رجل المياه» منقذ حيوانات كينيا

:
  • إعداد : كمال بوسبع

تعتبر محمية الحيوانات «تسافو»، أكبر وأقدم  محمية وطنية في إفريقيا، وتقع في جنوب كينيا، وتتربع على مساحة 21 ألف كيلومتر مربع، إذ تتكون من جزأين: الغربي والشرقي، ويفصل بينهما طريق يربط بين مدينتي نيروبي وموباسا، وتم إنشاء المحمية عام 1948، إلى جانب أنواع عدة من النباتات، وأيضاً اختلاف تضاريسها، حيث تعيش فيها أعداد كبيرة من الحيوانات الطائرة والزاحفة والثدييات منها، وتوجد أيضاً أنواع نادرة مصنفة عالمياً.

وفي محمية الحيوانات «تسافو غرب»، حيث الشمس الملتهبة تطلُّ على هضاب هذه الأراضي الشاسعة الجافة، ويتوسطها وادٍ أضحى بقعة دائرية الشكل مملوءة ببعض الماء، وفي هذه الظروف الطبيعية الصعبة، يحاول مزارع مدَّ يد المساعدة إلى الحيوانات التي تعاني العطش.

وتشرب مئات الحيوانات - باختلاف أنواعها - منذ ستة أشهر يومياً من حفرة عميقة، أنجزها المزارع باتريك موالوا، الذي يجوب يومياً - بشاحنته الزرقاء المستأجرة - نحو 70 كيلومتراً، بحثاً عن الماء، حيث تعاني المنطقة جفافاً طال أمده، فلاحظ هذا المزارع البسيط أن الحيوانات سيكون مصيرها الموت الحتمي، لو بقي الوضع بهذا الشكل.

تحرك المزارع، لينقل معاناة هذه الحيوانات مع الجفاف إلى الناس، في محاولة لجمع تبرعات، لحفر بئر عميقة، توفر المياه لهذه الحيوانات المسكينة بشكل دائم.

ومرت على المزارع (41 عاماً) تجربة مماثلة، في 2009، حيث عانت الحيوانات – خلالها - الجفاف والموت عطشاً، إذ نفق ما يقرب من 40% من حيوانات المحمية، وفقاً لإحصاءات الصندوق الدولي للرفق بالحيوان (أيفــو).

وتواصلت «الإمارات اليوم» مع صاحب «المبادرة»، باتريك موالوا، حيث قال للصحيفة، إنني «أشعر بتأنيب الضمير، وبحزن عميق، كلما نظرت إلى الحيوانات وهي تموت عطشاً، ما جعلني أتحرك لإيجاد حلول لهذه الكارثة، وإيقافها بشكل عاجل». ويضيف: «لاحظت أن المناخ متقلب ومتغير، فنتج عنه جفاف أحدث صراعاً بين متطلبات السكان المتزايدة من الماء، وحاجة الحيوانات إلى الشرب».

ويعاني السكان المحليون شح الماء، ويعتبرون حيوانات المحمية مصدر تهديد حقيقياً وخصوماً لهم، إذ إن الفيل الواحد يشرب 190 لتراً مرة واحدة، ليروي عطشه، وفي بعض الأحيان تثور  هذه الحيوانات على السكان، بحثاً عن أماكن وجود الماء.

صراع البقاء

وتمكن باتريك موالوا - بتمويل مالي من أجانب تواصلوا معه خلال السنوات الماضية - من بناء حوض إسمنتي، بغرض عدم تسرب الماء من خارجه، وقام باستئجار شاحنة «صهريج» لنقل المياه، بكلفة 237 يورو في اليوم الواحد، حيث تجلب الشاحنة 12 ألف لتر ماء في الرحلة الواحدة، وخلال نصف ساعة فقط تشرب الحيوانات هذه الكمية بالكامل، ما يحتاج إلى تكرار هذه العملية الشاقة مرات عدة، في اليوم. 

ويشعر مدير مؤسسة محمية «تسافو »، كيبوقوسو، بحسرة كبيرة، لما آل إليه الوضع من تأزم بين البشر والحيوانات، وأعطى مثالاً لنتائج تغير المناخ، حيث لاحظ تنامي لسعات الأفعى القاتلة في السنوات الاخيرة، إذ إن الثعابين، التي تعيش في محيط رطب، لم تجد ملجأ لها سوى الاقتراب أكثر من أماكن وجود السكان بحثاً عن الماء، ما يعرَّض حياة الناس لخطر الموت، وهذا دليل على انحصار الأماكن الرطبة في المحمية.

تمويل جماعي

قصة موالوا، في طلب الاستغاثة للحفاظ على الحيوان، كان لها أثر عميق وصدى عالمي واسع، فقد دعمت منصات التواصل الاجتماعي والصحف العالمية مبادرة موالوا، من خلال تبني هذه الفكرة، فحفزت جمعيات وأفراداً للإسهام في تمويل هذه المبادرة، والاستمرار فيها، وقد أثمر هذا التحرك جمع 190 ألف يورو، ما وفر الدعم اللازم لحفر بئر عميقة داخل المحمية، لتوفير الماء لحيواناتها، كما ساعده على شراء شاحنة أكبر لنقل الماء، لكن يظل كل ما سبق مجرد حلول مؤقتة، لذلك يسعى موالوا إلى حفر المزيد من الآبار.

خطر الانقراض

تعتبر بحيرة «جيب» - على الحدود مع تنزانيا - مورد المياه الوحيد لمحمية «تسافو غرب» وحيواناتها، لكن كيبوقوسو يقول إن «مستوى البحيرة قد انخفض 10 أمتار، خلال السنوات الست الأخيرة، وفي حالة استمرار معدل الانخفاض بهذه الوتيرة المتزايدة، ستجف البحيرة خلال الـ15 سنة المقبلة، ما يعني زوال المحمية بعد انقراض حيواناتها، فمن جهة نحارب الصيد الجائر للحيوانات، خصوصاً الفيلة، ومن جهة أخرى نحاول إيجاد حلول لكارثة العطش».

ورغم معاناة موالوا في نقل المياه يومياً، لإنقاذ حيوانات المحمية، إلا أنه لم يستسلم، على أمل أن تجد مبادرته الخيرية استجابة أوسع، من أجل الحفاظ على بقاء المحمية وحيواناتها، التي تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة.

مواد ذات علاقة