وثق بكاميرته نزول العلم البريطاني ورفع الأردني عام ‬1958

شوكت خضر.. تراث صوتي وبصري عمـــــــره ‬50 عاماً

صورة

مشيته العسكرية، دقته في المواظبة على مواعيد الطعام والنوم، والتزامه الذي لا يقبل مساومة بقواعد النظام في كل أنشطته الحياتية بما فيها ممارسة هواياته، قد لا تدلك على شغفه بالفن الأصيل وحكاياته. اختزن في قلبه وعقله حبا عميقا لفن الموسيقى الراقي الذي طبعت أنغامه على بكرات وأسطوانات وأشرطة وصولاً الى الاقراص المدمجة، وكل تلك النواقل التي تشغلها أجهزة تم اختراعها منذ بدء عهد نقل الصوت آلياً في أواخر القرن الـ‬19، أجهزة استحدثت تدريجياً وصنعت منها أنواع جمع هو منها القديم والجديد، ما أتاح له اقتناء روائع الاعمال الفنية والوثائقية المسجلة.

إنه شوكت يوسف خضر، الذي راوده الحلم باقتناء آلة تسجيل صوتي عندما لم يكن عمره قد تجاوز الثامنة، في وقت لم يكن، كما يروي، يجوب شوارع عمّان كلها إلا «الطنابر» والعربات الروسية الطراز التي كان يستخدمها الشراكسة في نقل البضائع، بالإضافة الى بضع من «الاوتوموبيلات» لا يتعدى عددها الأربعة، اثنتان منها كانت تعمل تاكسي على خط القدس - عمّان.

جار الملك

صور قديمة و«مسودات»

من بين أشياء العم أبويوسف الكثيرة والجميلة مجموعة من الكاميرات ونيجاتيف، أو مسودات صور ترجع لصور التقطها بأول كاميرا «بوكس» اقتناها عام ‬1948، بعد أن التحق بالجيش، كونه يهوى التصوير كما يعشق الموسيقى وفنونها. وتكمن الاهمية الكبرى من الناحية التاريخية والسياسية في مجموعته الفوتوغرافية في أنه الوحيد الذي التقط صور نزول العلم البريطاني عند خروج الجنود البريطانيين ورفع العلم الأردني في العقبة عام ‬1957، كما صور الجنود البريطانيين في الاستعراض العسكري عند خروجهم من الأردن.

ومن بين الصور الوثائقية التي التقطها صور للملك الحسين بن طلال وهو يتسلم في وسط البحر السلاح الاميركي الذي جاء الى الاردن عام ‬1958، وصور للملك وهو يقود أول دبابة أميركية جاءت الى الأردن. ولدى العم أبويوسف ايضاً مجموعة من الصور لعمّان في أواخر الأربعينات، من بينها صور لشارع فيصل بتاريخ ‬23 أكتوبر ‬1949، وصور لقهوة حمدان التي كانت تقع مكان سوق الذهب الحالي في وسط البلد، وصور لبلدية امانة عمان، وصور تقاطع شارع السعادة وشارع الرضا، وصور للديوان الاميري وبيت الأمير نايف، وكذلك صور لأول مدرسة ابتدائية في عمّان، المدرسة العثمانية، بالإضافة الى صور للمدرج الروماني.

يقول خضر، الذي زارته «الإمارات اليوم» في «متحفه» في عمّان، «بدأ تعلقي بالموسيقى حين كنا نذهب ولم يكن عمري أكثر من سبع سنوات الى زيارة أقارب لنا عندهم فونوغراف، ونسهر عندهم ونستمع الى أم كلثوم». ويضيف «لم يكن في ذلك الوقت في عمّان مطربون أو فرق موسيقية، الموسيقى الوحيدة التي كنا نسمعها هي موسيقى الجيش، وكان أبي الوحيد في الجيش الاردني الذي يعزف على آلة موسيقية اسمها (ألطو) أو الكمان الأوسط».

ولد خضر في عمّان عام ‬1930، لأم شركسية، كانت والدة الأميرة ناهدة زوجة الملك عبدالله الأول جارة لبيت والدها وتستأجر منه منزلها المجاور لبيته الواقع عند بوابات القصور الملكية في منطقة رغدان التي لاتزال تعرف حالياً في العاصمة الاردنية بمنطقة القصور، وهو البيت نفسه الذي عاش فيه خضر مع أمه وأبيه سنوات طفولته، ولايزال خضر يذكر كيف نهرته جدته الشركسية بكلماتها العربية المكسرة خوفاً عليه حين فزع وهو في عمر الخامسة الى نافذة غرفة منزله المطلة على القصر ليتفرج على مجموعة من البدو وهم يمتطون ظهور الخيل، ويغنون، ويطلقون الرصاص من بنادقهم المعروفة بـ«الموزر» ابتهاجاً بولادة مولود صار لاحقاً الملك الحسين بن طلال.

خدم في الجيش الأردني من عام ‬1948 حتى عام ‬1962، حين تقاعد منه فانتقل في العام نفسه للعمل في قطاع التمريض في الكويت.

اقترب خضر من تحقيق حلمه عندما اشترى في أواخر الخمسينات أول آلة تسجيل من مدينة بيت لحم، حيث كان يخدم في معسكر للجيش الاردني في كفار عصيون الواقعة بين مدينتي بيت لحم والخليل الفلسطينيتين، الا انه أرغم على إرجاعها الى البائع وشراء دراجة بثمنها استخدمها في تنقله بين المنزل والمعسكر، وذلك بعد ان توعده قائد أركان حرب كتيبة المعسكر حين علم بالأمر بحجزه عقاباً له في حال لم يردها.

ترجم خضر ولعه بالفن وتاريخه ومشاربه إلى التزام أبدي بجمع وتوثيق وأرشفة مقتنيات وكنوز الفن القديم والأصيل والنادر منذ الستينات من القرن الماضي، وذلك عندما أسس نواة «متحف الصوتيات» في إحدى زوايا غرفة نومه في بيته المتواضع الكائن في منطقة السالمية في الكويت، ليعود وينقله معه عام ‬1990 الى صومعة علوية خاصة تقع على سطح منزله الكائن في منطقة وادي السير في عمان.

«الصومعة»

متحف الصوتيات أو «الصومعة»، كما يسميها أهل بيته، لأنه ينعزل فيها ليغرق في العمل ساعات طويلة، يضم أرشيف التسجيلات الذي جمع أصوله على امتداد قرابة ‬50 عاما، وكذلك ماكينات تسجيل انتيك من بينها «فونوغراف» وهو أقدم جهاز استخدم في تسجيل واستعادة الصوت على اسطوانات اخترعه عام ‬1899 الأميركي توماس اديسون، بالإضافة الى أجهزة تسجيل «كاترج»، وأجهزة تسجيل على بكرات «ريلات»، وأخرى على أشرطة، فضلاً عن مجموعة من الانتيكات تشمل تليفونات من طرز قديمة، منها تليفون طراز شارلي شابلن الشهير، بالإضافة الى راديو ماركة تليفونكن ومجموعة من النحاسيات ومهابيج القهوة.

يقول خضر «بقيت آلة التسجيل التي اجبرت على إرجاعها حسرة في قلبي حتى إنني بمجرد أن وصلت الى الكويت عام ‬1962 توجهت الى سوق «واجف» واشتريت آلة تسجيل شبيهة بها، إلا انني لم اقتنع بها عندما رجعت الى المنزل فاستبدلتها بآلة أخرى بدأت أستخدمها في نسخ اول مجموعة من الأعمال الموسيقية التي أرشفتها».

بدأ مشروعه في اقتناء ونسخ الاعمال الخالدة من موسيقى وغناء ومواد وثائقية وسياسية في أواسط الستينات، وما إن صار لديه مخزون أرشيفي حتى بدأ بعرض نسخ من مقتنياته وبيعها في المكتبات ومواقع التوزيع في الكويت. وقد جمع خضر قطعه من روائع موسيقية ووثائقية من كل مكان قد يجد فيه ضالته لدرجة أنه في مرة اضطر للسفر الى دمشق لمدة يوم واحد ليحضر أحد التسجيلات التي كان يقتنيها صاحب إحدى المكتبات الموسيقية في منطقة أبورمانة، علماً بأن موارده المادية وهو موظف وأب مرهق بالالتزامات لا توفر له فائضاً مادياً يتيح له التحرك بيسر وسهولة.

لدى العم شوكت، أو العم أبويوسف كما يناديه الجميع، وهو عميد أسرة يمتد فيها الابناء حالياً الى الجيل الرابع، مجموعة من الكتالوجات كل منها يختص بصنف من المواد والأعمال، وهو يمتلك نحو ‬3140 شريط كاسيت لتسجيلات صوتية رفض أن ينعتها بالنادرة، معتبراً ان كلمة نادرة صعب البت فيها، واكتفى بالقول إنها اعمال ليس من السهل العثور عليها، وإنها قطع أصيلة لم تعد في وقتنا الحالي في دائرة اهتمام الغالبية العظمى من الناس بمن فيهم المشتغلون بـ«الفن».

الآلة الطابعة

لا يستخدم العم أبويوسف الكمبيوتر أو الحاسوب، ولايزال يستخدم الآلة الطابعة في كتابة الأسماء والارقام عند أرشفته لإحدى المواد التي يوثقها. ويعود تاريخ التسجيلات الموثقة في متحفه الى عام ‬1923، كما تقرأ فيه نبذة عن حياة وأعمال كل من لديه تسجيل، علماً بأن لديه تسجيلات لأعمال غير معروف تاريخها بالضبط أدرجها في مجموعة وكتالوج خاص بها، ويضم اعمال الموسيقيين الذين علموا أم كلثوم الغناء، مثل أبوالعلا محمد. ويقتني العم شوكت نحو ‬155 تسجيلاً لأم كلثوم لا تدخل ضمن الـ‬3140 تسجيلا، لكنها تضم ثمانية أشرطة تسجل قصة حياتها كاملة ترويها بصوتها، كما لديه تسجيلات تؤرخ أحداث ومفاصل مهمة ليس في حياة شعوب المنطقة العربية فحسب، بل في حياة العالم أيضاً، تضم خطابات سياسية وبيانات ومؤتمرات وبرامج إذاعية، من بينها برنامج اسمه «بصمات من القرن العشرين» بث أول مؤتمر يفتتحه الملك جورج الخامس عام ‬1924، كما يشمل نقلاً لأول مباراة كرة قدم بثت اذاعياً عام ‬1925. ويضم أرشيف المتحف الى جانب الاعمال الخالدة من التسجيلات الصوتية نحو ‬770 شريط فيديو تراوح مدتها من ثلاث الى ست ساعات، بالإضافة الى ‬453 دي في دي، بدأ خضر استخدامها خلال السنوات الاخيرة لأرشفة مواد منتقاة لأحداث أو أعمال مهمة.

وتتكون اركان أرشفة الاغنية في متحف العم أبويوسف من عناصر عدة تتضمن اسم الأغنية، واسم مؤلف كلماتها، واسم ملحنها، ونوعها، بالإضافة الى مقامها وسنة غنائها ومدتها الزمنية. وتشمل انواع الأعمال الغنائية التي جمعها: الموشح والدور والمونولوج والديلوج والقصيدة المغناة والطقطوقة والاوبريت والنشيد والموال. أما المقطوعات الموسيقية فإنها تتنوع بين عزف على القانون والناي والكمان والأوكورديون والساكسوفون والبزق والجيتار.

تويتر