طبيب يرى أن التكنولوجيا تبعد الإنسان عن نمط اليوم الطبيعـــي الذي يلائم جسمه
الشاشات المضيئة تقلِّل النــوم وتضرّ الصحة
«منظمة الصحة العالمية» صنفت العمل خلال الليل ضمن الأسباب المحتملة للسرطان. غوغل
حَذَّر رئيس قسم طب النوم في مستشفى «بريغهام آند وومن» الأميركي، الطبيب تشارلز كيزلر، من أن النظر في شاشات أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، والتلفزيون، خلال فترة المساء يتسبب في نقص النوم، ما يزيد من مخاطر التعرض لمشكلات صحية عدة، منها البدانة، والاكتئاب، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية.
وبحسب مقال كيزلر في مجلة «نيتشر» العلمية، فإن التعرض للضوء الكهربائي في أوقات الليل، الذي يُفترض أن يكون وقت النوم الطبيعي، هو السبب الأهم في حدوث نقص واضطراب النوم، رغم وجود عوامل أخرى أحدثها نظام الحياة المعاصرة الذي يتحرك على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع، مثل الاستيقاظ مبكراً للعمل والدراسة، والإفراط في تناول الكافيين، والرحلات الطويلة.
ويقول إنه «نتيجة لذلك، يُواصل كثيرٌ من الناس قراءة البريد الإلكتروني، أو أداء الواجبات، أو مشاهدة التلفزيون منتصف الليل».
ويُقلِّل التعرض للضوء الاصطناعي من راحة الجسم خلال الليل، بتثبيطه نشاط الخلايا العصبية المسؤولة عن النوم، مع تنشيط الخلايا المسؤولة عن اليقظة، إضافة إلى إعاقة إفراز هرمون النوم المعروف باسم «الميلاتونين»، كما يؤثر في الخلايا الحساسة للضوء في العين، وتؤدي هذه العوامل معاً إلى اضطراب الساعة البيولوجية أو الحيوية للجسم، التي تضطلع بتنظيم أوقات النوم والاستيقاظ.
ويرى كيزلر أن التكنولوجيا تتسبب في إبعادنا عن نمط اليوم الطبيعي الذي يُلائم أجسامنا، ويعتقد أن انتشار الإضاءة الاصطناعية، والزيادة المستمرة في استهلاكها، أدى إلى شيوع نقص النوم؛ إذ يرتبط انخفاض كلفة توفير الإضاءة بزيادة استهلاك الفرد لها.
فابتداءً من مطلع الخمسينات من القرن الـ20 حتى نهايته، تراجعت كلفة إنتاج الضوء ست مرات في المملكة المتحدة، وفي المقابل تضاعف نصيب الفرد من استهلاك الضوء بمعدل أربع مرات.
وهو ما يتفق مع رأي مدير مركز أبحاث النوم في جامعة «سري» البريطانية، ديرك - جان ديجك، الذي يعتقد بتأثير التعرض للضوء الاصطناعي في فترات المساء على تقليل الميل للنعاس، فأصبحت تصرفات الناس هي العامل الرئيس في تحديد وقت النوم، بعكس الماضي حين كان دوران الأرض حول محورها، والذي يتحكم في الليل والنهار، هو المحدد الأول.
وتُشير بعض الدراسات إلى تراجع عدد ساعات النوم لكثير من الأشخاص في السنوات الأخيرة، وبحسب استطلاع نُشر في عام 2012، كان متوسط ساعات نوم 30٪ من الموظفين، و44٪ من العاملين في الفترات المسائية في الولايات المتحدة، أقل من ست ساعات كل ليلة، وهو ما يختلف كثيراً عن الوضع قبل 50 عاماً، إذ كان نحو 3٪ فقط من سكان الولايات المتحدة ينامون قليلاً. كما أفاد 5٪ من الموظفين البريطانيين بنومهم أقل من خمس ساعات في الليلة.
وعالمياً، ينام الأطفال في الوقت الحاضر خلال الأيام الدراسية أقل مما كان الوضع عليه قبل 100 عام بمعدل 1.2 ساعة.
ويرى كيزلر أن قلة النوم لدى الأطفال، تدفعهم للاستيقاظ ولا تزيد من شعورهم بالنعاس، كما تتسبب في ضعف تركيزهم.
ويُرجِّح أن يكون نقص النوم ضمن الأسباب المؤدية لما يُعرف باسم متلازمة «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، التي يعانيها 19٪ من الفتيان الأميركيين في المرحلة الثانوية.
وإضافة إلى ذلك، صنفت «منظمة الصحة العالمية»، العمل خلال الليل، ضمن الأسباب المعروفة والمحتملة لأمراض السرطان. كما يرفع استمرار نقص النوم لفترات طويلة من خطر الإصابة بمجموعة من الأمراض، وبحسب دراسة للمركز الوطني الأميركي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية، تزيد معدلات الوفاة بنسبة 15٪ للأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات يومياً، مقارنة مع أشخاص من العمر نفسه وينامون جيداً.
ويتوقع كيزلر ارتفاع عدد الأشخاص الذين يُعانون نقص النوم في المستقبل، بسبب زيادة تعرضهم للضوء، الذي يستحوذ وحده على 19٪ من الميزانيات المخصصة لتوليد الكهرباء حول العالم، واتجاه الكثير من الدول لإحلال المصابيح الثنائية الباعثة للضوء «ليد»، التي تستخدم على نطاقٍ واسع في كثير من شاشات التلفزيون والكمبيوتر والهواتف الذكية، محل المصابيح التقليدية ذات الإضاءة المتوهجة.
ويرى أن هذه النوعية تتسبب أكثر من غيرها في اضطرابات النوم وإعاقة عمل هرمون «الميلاتونين»، إذ تُنتج ضوءاً غنياً باللونين الأزرق والأزرق المائل إلى الخضرة، الذي تستجيب له الخلايا الحساسة للضوء في العين البشرية بدرجةٍ أقوى. ويعتقد أن من الأفضل استبدال الإضاءة المستخدمة في فترات الليل باللونين الأحمر والبرتقالي.
واختتم الطبيب تشارلز كيرلز، الذي يعمل ضمن قسم «طب النوم» في جامعة «هارفارد»، مقاله بالتأكيد على أهمية النوم للصحة الجسدية والعقلية، وضرورة الانتباه إلى تأثير استهلاك الضوء في الساعة البيولوجية للفرد، وتغيير السلوكيات اليومية بجانب تقديم ابتكارات تقنية للتقليل من الآثار الضارة للتعرض للإضاءة، مُذكِّراً بتعهد مخترع المصباح الكهربائي، توماس أديسون، بألا يضر ابتكاره بالصحة، ولا يُعيق سلامة النوم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news