بوشعير يتعقب ملامح الرواية الخليجية

الرشيد بوشعير. من المصدر

 قال الناقد الجزائري د.الرشيد بوشعير، إن ربط تطور الرواية الخليجية بارتباطها بالطبقة الوسطى باعتبار الرواية «ملحمة الطبقة الوسطى أو البورجوازية»، تفسير وجيه، لكنه ليس كافياً. فهناك سبب آخر مهم هو طبيعة العصر ورغبة الإنسان في الفهم والإدراك، فالرواية هي الأكثر قدرة على تلبية ذلك من القصيدة، والأسلوب السردي يمنح القارئ معنى للحياة، ويلملم شتات الأحداث في نسق سردي يساعد على أن فهم الذات وفهم الآخر أيضاً.

تحت عنوان «الرواية الخليجية.. إلى أين؟» عمد د.بوشعير إلى وضع تصور إلى ملامح تطور الرواية في منطقة الخليج، خلال المحاضرة التي نظمتها هيئة ابوظبي للثقافة والتراث، مساء أول من أمس، في بداية موسمها الثقافي .2012 معتبراً ان التنبؤ بمستقبل بنوع أدبي، كالرواية، ليس سهلا، ولا يتم دون إطلالة على الماضي والحاضر.

توقف د.الرشيد بوشعير خلال المحاضرة أمام مجموعة من الإرهاصات والمؤشرات التي يمكن في ظلها وضع تصور لمستقبل الرواية الخليجية، من أهمها: انتقال الرواية من الشفوية إلى الكتابية، فطالما استفادت السرديات الخليجية من التراث الشفوي الشعبي، وحتى على مستوى الأدب العالمي، فقد شكلت المرويات والسرود الاسطورية والتاريخية نسخ الملحمة، وشكلت الملحمة نسخ الرواية. بينما بدأت الرواية الخليجية حالياً نحو التخلص من الشفوية وهيمنة السرد، لتتسم بالاهتمام بالتفاصيل والتحليل السيكولوجي. أيضاً أن تشهد الرواية الخليجية تحولا من الرواية الكتابية إلى الرواية السمعية البصرية «الرقمية»، مع زيادة ارتباط الانسان بالشبكة الرقمية، ورغم انه لم يقدم أحد من كتاب الخليج على تجربة «الرواية الرقمية»، وهو لون أدبي يتلاءم مع العصر، ويعتمد الكاتب فيه على الكلمة والصورة والصوت، إلا ان هناك ارهاصات تشير إلى ان هناك من يتبنى هذا الاتجاه، كما تعكس رواية «بنات الرياض» للكاتبة السعودية رجاء الصانع.

التغيرات التي شهدتها طبيعة العصر، والميل إلى السرعة في كل شيء كان له تأثير في الرواية الخليجية أيضا، بحسب ما اوضح د.بوشعير، إذ بدأت تتجه من الرواية الضخمة «الملحمية» إلى الرواية القصيرة، وهي ظاهرة عالمية، بعد ان أصبح القارئ لا يجد الوقت الكافي لقراءة رواية تضم 1000 صفحة أو أكثر، ويبحث عن الرواية القصيرة. كذلك فرضت تغيرات العصر تغيير آخر على الرواية الخليجية التي انتقلت من استخدام اللغة المثالية المعجمية إلى اللغة الهجينة او الاجتماعية وهي مزيج من الفصحى والعامية والانجليزية، بما يسمى «تفجير اللغة»، وهو التوجه الذي توقع المحاضر أن يستمر في المستقبل وان يستعير الشعر العربي لغة الرواية أيضا. كما توقع د.بوشعير أن تواصل الرواية الخليجية تمثل تقنيات الرواية الحداثية وما بعد الحداثية، هذ التقنيات التي تمنح الرواية جمالياتها وتخلق الفرق بينها وبين المقال، مثل تقنيات تيار الوعي، والارتداد «الفلاش باك» والاستباق والمونتاج السينمائي والاحلام والرسائل.

على مستوى المضامين؛ أشار د.الرشيد بوشعير إلى أن الرواية الخليجية تتجه في المستقبل نحو صرح القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية الأكثر إثارة للحساسية، واقتحام المسكوت عنه، وهو ما يشير إلى هوامش الحرية المتاحة الأمنية والاجتماعية، وهو ما أسهم في تراجع الرقيب الداخلي أيضا والحيل الأدبية التي كان يمارسها بعض الكتاب مثل الاسقاط، فأصبح الكاتب يسمي الاشياء بأسمائها. هذا المناخ أنتج ايضا خاصية أخرى هي تأنيث الرواية الخليجية، حيث تزايد عدد الروائيات الخليجيات ربما بات أكثر من الروائيين الرجال. وأرجع المحاضر هذا الأمر إلى تزايد رغبة المرأة في البوح والتعبير عن نفسها، وإثبات حضورها على الساحة. لافتاً إلى أن إقبال القراء الكبير على الروايات النسائية ليس بريئا، وإنما برجع إلى رغبة فضولية من القارئ لفهم عالم الأنثى.

في نطاق المضمون أيضا؛ رصد د.بوشعير غياباً شبه تام لرواية الخيال العلمي، التي وصفها بـ«رواية المستقبل»، حيث لا يوجد من يكتب هذا النوع من الروايات سوى الكاتب طيبة أحمد الإبراهيم، مرجعا هذا الغياب إلى انشغال الكتاب الخليجيين في الوقت الحاضر بمناقشة موضوعات اجتماعية كثيرة تحتاج إلى تحليل، والاستفادة من التراث الغني، وهو ما قد يحتاج إلى عقود حتى ينتج الخليج هذا النوع من الروايات.

كما توقع أن تسعى الرواية إلى التخلص من (الذاتي)، المتمثل في السيرة الذاتية أو المحلية للكاتب، والاتجاه نحو الانساني. لافتاً إلى أن كتابة السيرة الذاتية ارتبط إلى حد كبير بالكاتبات، وهو ما أساء إلى قرائية العمل الروائي، بعد أن أصبح بعض القراء يربطون اوتوماتيكياً بين الرواية وكاتبتها، وهي نظرة ساذجة لكنها سائدة، ولعلها كانت سبباً لشعور بعض الكاتبات الخليجيات بالحرج من ذكر اسمائهن على رواياتهن. وأضاف: «في الواقع لا يستطيع الكاتب ان يتخلص من تأثير حياته الخاصة ومن عاصرهم وعرفهم من أشخاص، لكن الكاتب المبدع هو الذي لا يقدم صوته فقط في الرواية، لكن يقدم عملاً متعدد الأصوات ومن بينها صوته».

وأشار د.بوشعير إلى أن الاتجاه إلى الكتابة الانسانية يطرح سؤالاً كبيراً حول هوية وخصوصية الرواية الخليجية، بعد أن ارتبطت بسمات شكلت ملامح هويتها مثل الارتباط بالمكان الذي تنوع بين الصحراء والبحر، وتناول قضايا العمالة الوافدة، إلى جانب خصوصية اللهجة. مبيناً ان البحر في الكتابات الخليجية الاولى كان نشاطاً اجتماعياً لانه كان محور حياة السكان في المنطقة، أما حاليا فقد اصبح امتداداً جغرافياً عادياً لدى البعض، وان ظل ساكنا في اللاشعور الجمعي لديهم.

تويتر