الإمارات اليوم

جرعة من النقد اللاذع لاقت إعجاب جمهور «الأيام المسرحية»

«تريلا».. إسلام سياسي وشعب ضائــع

:
  • سوزان العامري - الشارقة
  • مسرحية «تريلا» اتسمت بجرأة الطرح وجودة في اللعبة الفنية. تصوير: تشاندرا بالان

الجميع يعرفون الشخص الكذاب ويكرهونه، إلا أنهم يسايرونه في كل كذباته، رغم يقينهم بأنه«محتال»، وذلك خشية أن يصدق مرة فيخسروا الكثير، رغم خساراتهم اليومية والمتكررة، فهذه هي الحال على مستوى الأفراد، فكيف إذا كان هذا الصراع بداخل مجالس الدولة وبين ساستها ورجال دينها، فسيكون الضحية الشعب.

توصيات

اختتمت، جلسات الملتقى الفكري الموازي لفعاليات الدورة ‬23 لأيام الشارقة المسرحية، التي خصصت لمناقشة التحولات السياسية التي طرأت أخيراً على الخريطة العربية في أبعادها كافة، انطلاقاً من السؤال التالي: أي دور للمسرح العربي في اللحظة الراهنة؟

ومن أجل التماهي مع المبادئ التي طالما نادى بها صاحب السمو في خلق مسرح المستقبل ذي الرؤية الجديدة التي تلائم الوضع العربي الراهن، فيقوم على تقويم الاعوجاج الفكري والسلوكي، وغرس القيم الإنسانية

النبيلة، كالتحرر والتكافؤ، وتخليق الثقافة وطلب الحقيقة وإشاعة ثقافة حرية الاختيار واحترام الآخر، وتعميم قيم التنمية الثقافية المستدامة والتعدد الثقافي، والانتشار والتعايش، وفي الوقت نفسه الحرص على الخصوصية الثقافية، وتشجيع خوض غمار الإبداع المتجدد. وفي سبيل الوصول إلى ذلك، يقدم الملتقون مجموعة من التوصيات في سبيل الارتقاء بالندوات الفكرية في الدورات المقبلة، وهم على ثقة بأن سعي الشارقة نحو الارتقاء والتطور لا حدود له، ولا نهاية لمرامه.

-يحمل الملتقون في الملتقى الفكري الفنان المسرحي مسؤوليته تجاه الإبداع، مستنداً على مبادئ الإلتزام والحرية والجرأة ، وأن يكون جزءا من التاريخ لا خارجه.

- دعوة الفنان إلى أن يستقل بمسرحه، وأن يعتمد على جمهوره، ويتخلص من الارتهان بمسرحه للدعم والتمويل، وبشكل خاص الخارجي، والتخلص من قاعدة أعطني تمويلاً أعطك مسرحية، فهذا التوجه ينتج مسرحيات لا حركة مسرحية.

- في سبيل تحقيق ما ورد في البند السابق، يوجه الملتقون الدعوة إلى نقابات الفنانين للعمل على حث الحكومات في بلادها لإصلاح نظام التحصيل الضريبي من المسارح الخاصة، وتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.

- دعوة النقاد إلى الالتفات إلى النقد التقييمي للإبداع المسرحي العربي نصاً وعرضاً للعمل على رصد دور المسرح وقدرته على التفاعل مع التحولات والمتغيرات السياسية- الاجتماعية التي اجتاحت العالم العربي.

- ضرورة البحث عن صيغة عملية تشجع الناشطين المسرحيين العمليين على حضور الندوات الفكرية ومتابعتها والتفاعل معها، وبالتالي إيجاد حلقة وصل بين قاعة الندوات وما يجري على خشبة المسرح.

- توظيف التقنيات السمعية والبصرية في الندوات، وتشجيع المحاضرين على توظيفها في محاضراتهم المستقبلية، وتعميم الأوراق المقدمة على مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية، ونشرها على موقع المهرجان في الإنترنت.

- بث الندوات عبر الإنترنت، وفتح باب التفاعل معها، الأمر الذي يوسع حلقة النقاش حول قضايا المسرح بطرق تواصلية مبسطة.

مسرحية «التريلا» حملت أبعاداً سياسية ليست مبطنة، إنما فضحت لعبة الإسلاميين والحكومات السياسية، خصوصاً أن الشعب يضيع بينهم، ليس لشيء، إنما لسطحيتهم في التعامل مع أمور الشعب، فالكل يخشى على كرسيه أن يفقده، ولا أحد يفكر في المصلحة العامة، إنما هم بقع سوداء تجمعت لتشكل سحابة من الظلال مغلّفة باسم الدين، إذ إن العمل قدم جرعة مكثفة من النقد اللاذع للحكومات.

مشاهد كثيرة وشخصيات كاريكاتورية منتقاة من واقع معاش لمجالس الشعب والبرلمانات الحكومية، فكل شخصية من تلك الشخوص موجودة أصلاً، وإن جسدت بحال مبالغ فيه، إلا أن النسبة الأكبر منها قد تكون أسوأ في الواقع مما جسد، فرجل الدين أو «الملا»، وإن طالت لحيته أو قصر ثوبه، فقد يكون فاسداً، بل أسوأ في أحيان كثيرة من الفاجر، فالدين ليس باللحية أو الثوب، إنما بالعدل والإنصاف، أما رئيس المجلس فكان مجرد تابع، تارة يحركه الشرع ممثلاً في «الملا»، وتارة أخرى ينساق إلى جبروت القانون الذي يفكر بالقوة قبل أن يحكّم عقله، وفي أحيان كثيرة يلحق الكذاب الذي يتعاضد معه خوفاً من أن يغدره فيصدق.

الساسة والإسلاميون

المسرحية تدور حول قرية سكانها لا يحصون، فهم مغيّبون من دون تفكير، يقادون مثل قطيع، فلا يدركون إلى أين يتجهون أو ماذا يريدون، يقودهم مجلس يضم ستة من رجالات الحكومة، ولا يفقهون في همّ أنفسهم شيئاً، فإذا قال لهم رئيسهم يمين ذهبوا يميناً، وإذا قال يسار نفذوا ما يؤمرون، جميعهم خاضعون كأنهم غير واعين ولا مدركين، والأدهى والأمر أنهم ضائعون بين الدين والحكومة، على اعتبار أن الدين جزء لا يتجزأ من منهج الحكم، فلا فصل بين الدين والسياسة.

تبدأ مسرحية «تريلا» المستوحاة من رواية «زوبك» لعزيز نسين، وأعد النص الكاتب المسرحي إسماعيل عبدالله، وأخرجها الفنان الكويتي محمد الحملي، بستار مفتوح وشخصيات «كومبارس» يتجولون بين مقاعد الجمهور، يوزعون أعقاباً ولفائف كأنها سجائر، لم يكتشف أحد من الحاضرين ماهية هذه اللفائف التي تبيّن أنها تعكس رؤية المخرج في إشراك الجمهور في العرض، والغرض منها تغييب الجمهور كأنهم جزء من الشعب المغيب، إذ إن مشاهد المسرحية لن يصدقها أو يرضى بما يحصل كل من يمتلك ذرة عقل وضميراً واعياً.

مجنون واعٍ

كما يقال «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»، فقد كان أعقل من في هذه القرية، وقد يكون أفهمهم وأكثرهم وعياً لما يحصل في القرية، هو الراوي أو «المسحراتي»، الذي أدى دوره الممثل حميد فارس، وهو حامل الطبل الذي يحاول طوال العرض إيقاظ الناس النائمين وتوعيتهم بما يحصل من ورائهم، وتحذيرهم من النصّاب جمعان، إذ برع في تجسيد تلك الشخصية المكارة الفنان الشاب مروان عبدالله، فعرف بكذبه وخداعه المستمرين، وهو نصاب محترف، وداهية لم يتمكن جميع أعضاء مجلس الشعب من الوقوف في وجهه والتصدي له، على الرغم من الشكاوى المتلاحقة المقيدة ضده.

فالشعب يعاني الأمرين من كم الكذب والخداع الذي يمارسه جمعان عليهم، ومنه قصصه التي ينشرها في القرية عن طريق زوجته التي أدت دورها الممثلة الشابة إلهام محمد، حول علاقاته الوطيدة بوزراء الحكومة، الذين يقصدون منزله لشرب القهوة، ويتبادل معهم أمور الشعب، ويلبي لهم طلباتهم عند الوزراء الآخرين، ويسيّر مصالحهم، ومن خلال تلك الشائعات يحقق المدعو جمعان مبتغاه في السيطرة على الشعب المسكين، الذي يقع ضحية غباء مجلس الشعب ودهاء جمعان.

«جمعان» بدهائه ومكره يستطيع استجواب أي أحد في القرية من دون أن يشعر، فيكفي أن يلفّق لهم كذبه أو يلبسهم تهمة كي يخروا له راكعين، ويفرغوا ما في جعبتهم من أقاويل وأحاديث تدور في القرية، ومن خلال هذا الأسلوب الدنيء يستغل جمعان أحد أعضاء مجلس الشعب، الأعرج جمال السميطي، في ايصال الشائعات التي من خلالها يزعزع ثقة أعضاء المجلس بأنفسهم وبمن حولهم، فمن الأكاذيب التي لا يصدقها عقل وصدقها أعضاء المجلس، رغم أنهم يعرفون أنها كذب، أن هناك كتاباً ألّف في بغداد حول أصول جمعان وأجداده الأوليين الذين كانوا مع القادة العرب المعروفين، من أمثال صلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد، ولهذا هو يمتلك شهرة كبيرة بين وزراء الحكومة الذين يعتمدون عليه في كل شيء، لذلك سيأتي موفد من الحكومة ليشرب القهوة في منزل جمعان.

شك وتصديق

تتصاعد الأحداث، وينقل الأعرج جميع المعلومات التي قالها جمعان، والتي لا يصدقها عقل، لمجموعة أعضاء مجلس الشعب، الذين باتوا متفاجئين وشبه مصدقين لما يقوله جمعان، المعروف بالكذب أصلاً، لكن كحال المقامر كلما خسر يزيد، على أمل تعويض الخسارة، صدق الأعضاء - وهم رئيس المجلس سالم العيان ورجل الدين «الملا» إبراهيم سالم، إضافة إلى العسكري المتقاعد درويش موسى البقيشي، والعضو المحتار فيصل علي - ما نقله إليهم الأعرج، وباتوا يتوعدون جمعان ويحاولون وضع خطط للقضاء عليه، لكنهم ترددوا كثيراً بعد أن دخل عليهم الأخير وهو يتحدث مع أحد الوزراء ويوصيه بتعيين أحد أبناء القرية، الذي كان قبل ساعات يشتكي جمعان لدى المجلس، كونه نصب عليه وأحذ منه المال مقابل توظيفه.

تسلل الشك إلى نفوس أعضاء المجلس، بعد أن أسقط جمعان مجموعة من الصور المفبركة تجمعه بوزراء ورؤساء معروفين، الأمر الذي لم يترك لديهم أي خيار لعدم تصديق جمعان، خصوصاً أن الأعرج أكد لهم أن جمعان قرر أن يستقيل من المجلس، احتجاجاً على الحكومة التي لم تنفذ لهم طلباتهم، فصدقوا جمعان الذي بالتحايل عليهم تمكن من الحصول على تواقيعهم لتنصيبه عضواً متحدثاً باسمهم في المجلس، خصوصاً أن الحكومة قررت إرسال «تريلا»، وهي الشاحنة الضخمة، لتنفذ مشروعات في القرية لتصبح قرية سياحية، لذلك سترسل الحكومة موفداً، مسعود عيسى، لتفقد ومعاينة المنطقة والشعب.

إلا أن أعضاء المجلس اكتشفوا أن جمعان يكذب عليهم مجدداً، ونال بتوقيعاتهم المنصب، وبات متحدثاً باسمهم، الأمر الذي جعل الأعضاء يجتمعون مجدداً لمناقشة كيفية الخروج من هذا المأزق، بعد أن كشفوا حقيقة جمعان لدى الحكومة. تناهى إلى سمع جمعان ما يحاول الأعضاء فعله للقضاء عليه، عبر إخفائه إلى حين مغادرة موفد الحكومة، إلا أن جمعان دائماً لديه الخطط الماكرة، فأحضر «التريلا» المحمّلة بكميات كثيرة من مخدر الحشيش، وطلب من زوجته أن توزعها على سكان القرية، الذين غيّبوا عن الوعي تماماً، فانقلب حفل استقبال موفد الحكومة إلى حلبة من الغناء والرقص، الأمر الذي استاء له الموفد ودخل بالفعل إلى منزل جمعان وشرب معه القهوة، وعندما غادر صار جمعان بتأييد من الشعب هو الوالي.


عمل احترافي.. ولا يوجد عرض كامل

 

أجندة اليوم

- الجمعة ‬22 مارس ‬2013.

- العروض المسرحية.

- مسرحية مساء الورد- مسرح دبي الأهلي.

- قصر الثقافة- الساعة ‬7 مساء.

- ملتقى فكري.

- ملتقى أوائل المسرح.

- ورشة عمل المكياج المسرحي- ياسر سيف.

- سهرة فلوكلورية.

لاقت مسرحية «التريلا» إعجاب الكثير من المسرحيين والنقاد، الذين أكدوا في الندوة التطبيقية التي تلت العرض، أن «العمل قدم نقداً لاذعاً للحكومات، وعرضاً قريباً جداً للاحتراف، إذ يمكن أن يوصف بأنه عمل كاريكاتوري بامتياز، كما أنه امتاز بوجود ماكينات تمثيل ضخمة من خلال الأسماء التي شاركت في تجسيد الشخصيات، والتي قادت العمل بطريقة محترفة». واعتبر آخرون أن مهرجان أيام الشارقة المسرحية بدأ اول عروضه بعد انتهاء عرض مسرحية «التريلا»، نظراً لقوة العمل من ناحية النص، واداء الممثلين، وطريقة الاخراج، وقيادة هذه الاسماء العملاقة من قبل المخرج الشاب محمد الحملي، الذي توقع الكثيرون أن يكون له مستقبل كمخرج ناجح. ولأنه لا يوجد عمل كامل ‬100٪، فهناك بعض الملاحظات البسيطة التي لا تقلل من أهمية العمل، والمستوى الاحترافي الذي ظهر به، منها السينوغرافيا الضخمة التي لم تشتغل بشكل جيد، ولم توظف إلا من الناحية الجمالية فقط، كما أن هناك رتابة في الديكور، وأخذ على المخرج الرماديات المستخدمة التي عكست الحس الكوميدي في العمل الذي هو عمل كاريكاتوري أصلاً.

فيما اعتبر مسرحيين ونقاد أن دور الراوي أو المسحراتي لا يقدم شيئاً للعرض، على اعتبار أن النص مفضوح أصلاً ولا حاجة لمن يروي القصة، ولايزال عائق اللهجة المحلية بارزاً في جميع العروض.

مواد ذات علاقة