الإمارات اليوم

جدّد الشخصيات وخفّف العنف

«جيغسو» يعود إلى سينما الرعب بعد غياب 7 أعوام

:
  • عرض: عبدالله القمزي

ارتبطت سلسلة أفلام Saw أو قاتل الأحجيات بصانع الأفلام الأسترالي من أصل ماليزي جيمس وان، وهذه السلسلة تعدّ واحدة من الأكثر ربحية في تاريخ سينما الرعب. فيلم Saw كان قصيراً عام 2003، كتبه وأخرجه وان مع زميله لي وانيل فور تخرجهما في مدرسة السينما، كانت نيتهما تقضي بتحويله إلى فيلم روائي للطرح في أسواق الفيديو بشكل مباشر.

لكن شركة التوزيع الشهيرة «لايونز غيت» كان لها رأي آخر عندما أعجبتها فكرة الفيلم، واشترت حقوق توزيعه، وطرحته في مهرجان سندانس السينمائي في يناير 2004، ثم وزعته على نطاق واسع في موسم هالوين أكتوبر من العام نفسه. حقق الفيلم نجاحاً منقطع النظير دون حملة تسويقية وميزانية مليون دولار.

تحوّل الفيلم إلى سلسلة، لكن افترق صانعه عنه واتجه إلى أفلام أخرى مكتفياً بكتابة وإنتاج الأجزاء اللاحقة مع زميله وانيل. لم يحالف الحظ وان في مشروعين فاشلين: الأول Dead Silence، والثاني Death Sentence، وكلاهما عام 2007.

بعد ذلك دخل وان في أزمة كادت تدمر حياته المهنية، وتخلت عنه الاستوديوهات في هوليوود، وفقد الأمل في الحصول حتى على موعد مع أي من تنفيذييها. ظل وان هائماً على وجهه إلى أن اتصل به منتج يدعى جيسن بلام، وطلب لقاءه، حينها اتفق بلام ووان على صنع فيلم Insidious الذي انتشل الأخير من كبوته.

نجح Insidious وتحوّل إلى سلسلة، ثم صنع وانThe Conjuring وتحوّل هذا أيضاً إلى سلسلة، ودخل وان التاريخ كرائد سينما الرعب الحديثة، وصانع الأفلام الوحيد صاحب ثلاث سلسلات في القرن الـ21 قبل بلوغه 40 عاماً.

بداية غير اعتيادية

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


«القاتل» بعد موته.. حيّ يرزق هنا

كل من شاهد السلسلة يعرف أن قاتل الأحجيات مات في الجزء الثالث، وظهر في البقية من خلال المشاهد الاسترجاعية، لكنه رغم ذلك فهو حي يرزق هنا بعد مرور 10 أعوام على موته في عالم هذه السلسلة! كيف؟ حتى لو أمضى الفيلم كل وقته في شرح هذه النقطة فلن يقنع أحداً.

نكتفي بالقول إن «الفيلم جدّد الشخصيات، وخفّف العنف إلى حد ما، لكن لم يقدم أي تبرير لعودته بعد توقف سبعة أعوام. التبرير غالباً يكون تجديداً في الشكل أو المضمون، لكنْ هذان العنصران غائبان هنا.


• رغم أن الفيلم كفكرة جاء من أستراليا، إلا أنه وجد توافقاً وانسجاماً مع المزاج الأميركي.


بعد غياب سبعة أعوام، يأتي فيلم Jigsaw (جيغسو)، وهو الثامن في سلسلة أفلام Saw التي هيمنت على سينما الرعب في العقد الماضي من 2004 إلى 2010، وأُطلق عليها لقب «أفلام تعذيب سادي بلا تحفظ». الفيلم يبدأ بطريقة غير اعتيادية لأفلام السلسلة، إذ نرى مطاردة الشرطة لمجرم تنتهي على سطح مبنى، وعندما يهدد المجرم باستخدام أداة تفجير تطلق الشرطة عليه النار.

ننتقل إلى المشهد الثاني الكلاسيكي لكل أفلام السلسلة السابقة، وهو خمسة أشخاص محتجزين في حظيرة ومربوطين بسلاسل حديدية موصولة بآلة أوتوماتيكية تجرهم إلى منشار، إضافة إلى شرك مربوط في رأس كل واحد منهم. ثم نسمع صوت تسجيل جون كريمر (توبين بيل) - قاتل الأحجيات من أول جزء - يشرح للضحايا كيفية الخلاص من فخ الموت، الذي وضعهم فيه باعترافهم بذنوب الماضي.

على الجهة الأخرى، المحقق هالوران (كيلم كيث ريني) وزميله كيث هنت (كلاي بينيت) يحققان في أمر جثث تحمل آثار وتوقيع قاتل الأحجيات الشهير. يشك هالوران في الخبيرين الجنائيين لوغان (مات باسمور) وزميلته إلينور (هانا إيميلي أندرسون)، في الوقت نفس فإن لوغان - وهو محارب سابق في العراق قتلت زوجته منذ عامين - يشك في دوافع هالوران.

معادلة

الفيلم الذي أخرجه الشقيقان الأستراليان مايكل وبيتر سبيريغ (أخرجا الجيد الغريب Daybreakers عام 2009 والرائع الأغرب Predestination عام 2015، والفيلمان من بطولة إيثان هوك) لا يأتي بجديد، ويكرر أسلوب الأفلام السابقة، من خلال المعادلة التالية: أولاً، مجموعة ضحايا مكبلة تستفيق في مكان معزول مذعورة تحاول الخلاص من قيودها.

ثانياً: ظهور دمية بيلي (الوجه الأيقوني الأبرز لسينما الرعب في العقد الماضي) مع تسجيل صوتي يشرح للضحايا أسباب احتجازهم، وكيفية الخلاص من أفخاخ الموت.

ثالثاً: قصة المحقق المتأخر دائماً عن قاتل الأحجيات بخطوتين.

رابعاً: تفاصيل دموية شديدة قد تسبب الغثيان لأصحاب الإحساس المرهف.

خامساً: كشف مفاجآت وأسرار كثيرة من ماضي الشخصيات عن طريق المشاهد الاسترجاعية، التي بحلول هذا الجزء تصبح سهلة التخمين جداً للمشاهد المتمرس.

سادساً: كل إبداعات الأفلام تتركز في ابتكار أشكال وأنواع أفخاخ الموت، وهذا الجزء يأتي بأفكار جديدة في هذه الجزئية فقط.

سابعاً: محاولة ربط كل أجزاء القصة في آخر الفيلم، ولعل القارئ يتذكر كيف رُبطت الأفلام السبعة الماضية ببعضها البعض بطريقة أفضل كلمة لوصفها هي مجنونة.

على هوى أميركا

سلسلة أفلام قاتل الأحجيات وموجة مقلديها جاءت كرد فعل على أحداث ‏11 سبتمبر الإرهابية التي سببت جرحاً غائراً ردت أميركا عليه بحرب على الإرهاب، رسمت ملامح سياسة واشنطن في العقد الماضي، الذي شهد غزواً أميركياً لأفغانستان والعراق.

الحربان تسببتا في إطلاق مشاعر الغضب من مستوى الرئيس إلى جندي الجيش، وكان ذلك على شكل إباحة عمليات التعذيب في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والجيش على حد سواء لكسر المشتبهين، وإجبارهم على الاعتراف بذنوبهم.

رغم أن الفيلم كفكرة جاء من أستراليا، إلا أنه وجد توافقاً وانسجاماً مع المزاج الأميركي آنذاك، وبسبب انتشار فضائح تعذيب الضحايا من قبل بعض أفراد الجيش الأميركي في العراق (فضيحة سجن أبوغريب مثلاً) وأفغانستان، ازدهرت الأجزاء التالية من السلسلة، ووجدت إقبالاً كبيراً عند الجمهور الأميركي على وجه الخصوص. لكن ذلك الازدهار واجه منافسة شرسة من سلسلة Paranormal Activity عام 2009.

سينما الرعب تقسم لقسمين: أفلام القاتل المتسلسل بالسكين والأدوات الحادة وأفلام الكيانات الشيطانية. ازدهرت أفلام الكيانات الشيطانية في السبعينات وتراجعت بشدة في الثمانينات والتسعينات وعقد الألفية لصالح القاتل المتسلسل، ورغم أن قاتل الأحجيات (يصنف في خانة سينما القاتل المتسلسل) حقق انتعاشاً كبيراً لسينما الرعب في العقد الماضي إلا أن الجمهور اكتفى منه.

الطريف أن جيمس وان أنعش أفلام القاتل المتسلسل بشخصية قاتل الأحجيات، ثم عاد في 2010 وقضى عليها بفيلم Insidious المصنف ضمن سينما الكيانات الشيطانية، أي إن الرجل قضى على منتجه بمنتج آخر! ومنذ 2010 إلى اليوم انطلقت نهضة جديدة في سينما الرعب فرع الكيانات الشيطانية بقيادة أفلام وان هي الأولى منذ السبعينات، ولم يتمكن القاتل المتسلسل من النهوض مجدداً إلا في فيلم «جيغسو» الذي شهد عودته، وليس بالضرورة استمراره، وهذه سابقة إبداعية وسينمائية يسجلها التاريخ لجيمس وان، أنه صانع الأفلام الوحيد الذي أنعش صنفي سينما الرعب في عقدين متتاليين.

الأمر الآخر الطريف، أن عودة القاتل المتسلسل كانت على يد مواطني وان الشقيقين الأستراليين سبيريغ. بكلمات أخرى، الفكرة ولدت في أستراليا وعادت منها بعد توقف سبعة أعوام.