الإمارات اليوم

شديد الغموض ويكسر نمطية الرعب

«أم!».. الفيلم الأكثر جنوناً في مسيرة ديرين أرونوفسكي

:
  • عرض: عبدالله القمزي

فيلم !Mother أو «أم!» مع علامة التعجب، لصانع الأفلام الأميركي ديرين أرونوفسكي، هو أحد أغرب الأفلام التي يطرحها استوديو كبير مثل باراماونت، وربما أكثرها جرأة. مثل هذا الفيلم عادة تخجل الاستوديوهات من توزيعه سينمائياً على نطاق واسع، وتكتفي بعرضه في ولايات معينة بالتزامن مع طرحه في خدمات الفيديو عبر الإنترنت.

أرونوفسكي لم يخجل يوماً من خلق أفلامه حالات جدل تنتهي بطريقتين: إما أن يحب المشاهد الفيلم بشدة، أو يكرهه كرهاً شديداً. هذه المرة أرونوفسكي غاص بشكل كبير، وربما مبالغ فيه جداً، في الغموض الشديد والرموز الدينية، وغيرها مما قد لا يفهمه عامة الجمهور.

«أم!» أحياناً يشد المشاهد مثيراً اهتمامه بالغموض الشديد، وأحياناً يبلغ تعقيداً شديداً عصياً على الفهم، وأحياناً يصبح شيئاً لم تره في حياتك من قبل.

عن القصة

• المخرج يزيد جرعة اللقطات الرمزية، كأنه يشن هجوماً كاسحاً على حواس الجمهور.

• لورينس تعيش هلوسات لكنها لا تبدو قادرة على مجاراة بورستين ولا بورتمان.


تفسيرات متناقضة

لا يحوي الفيلم أي موسيقى تصويرية! وهو قابل للتحليل العميق وسيكتب عنه الكثير وستخرج تفسيرات تناقض بعضها، لأنه فيلم صنعه أرونوفسكي بأسلوب يعكس قراءات عدة له، لكنه حتماً سيقسم الجماهير بين محب أو كاره له. إذا كان القارئ يبحث عن فيلم رعب تقليدي مباشر فهذا حتماً ليس الفيلم المناسب، أما لو كان يريد فيلماً فلسفياً يجعله يفكر ويحلل ويتعمق في التفسير؛ فننصحه بالتوجّه لأقرب صالة تعرض «أم!».



• %99 يضع الفيلم وزناً ثقيلاً على لورينس بتسليط العدسة على وجهها بنسبة 99٪ من لقطات الفيلم، لكن لا يظهر أنها قادرة على حمله.

من ناحية القصة، هو فيلم بسيط، يدور في منزل واحد معزول، والكاميرا لا تخرج منه سوى مرتين، الأولى لتصوره من الأمام، والثانية من الأعلى قبل العودة إلى داخله. البيت تعرّض للاحتراق، وتجري صيانته بعد أن انتقل إليه شخصان، الأول بلا اسم، ويُدعى في الفيلم «هو» (الإسباني خافيير بارديم)، والثانية زوجته تسمى أم (جينيفر لورينس)، والاثنان يعملان على ترميم البيت الذي يملكه «هو».

«هو» كان كاتباً وشاعراً، لكنه فقد إلهامه أو الرغبة في الإبداع، وهي - أي أم - صانعة قرارات كل ما يتعلق بالمنزل، بما في ذلك اختيار لون طلاء الغرف. في ليلة ما، يُطرق الباب، ومن الواضح أن هذين الشخصين يعيشان في منطقة نائية، ولا يتوقعان قدوم زوّار.

يسرع «هو» ليفتح الباب، فيجد شخصاً اسمه رجل (إيد هاريس) يدخل إلى المنزل، ويخبر «هو» بقصته، فيسمح له الأخير بالدخول. في اليوم التالي تطرق امرأة (ميشيل فايفر في أحد أفضل أدوارها) الباب، وتدخل وكأنه منزلها. يكشف رجل الحقيقة أنه من أشد معجبي «هو» الذي تنفرج أساريره لسماع ذلك. وهل هناك أفضل من إطراء ينفخ عقدة الأنا بالنسبة لشخص مشهور!

لو قلنا إن الفيلم سيصبح غريباً بعد هذه النقطة؛ فقد يكون الوصف تقليلاً من قيمته، لن نكشف المزيد من القصة، ولو كشفنا فلن نفسد شيئاً لأن الفيلم لا يعتمد على مفاجآت القصة، بل هو غامض وفلسفي ويحوي الكثير من الرموز والكوابيس والهلوسات والتخيلات.

بعيد تماماً

يبدأ الفيلم مثل «روزميريز بيبي» لرومان بولاسنكي 1968 أو حتى «لمعان» لستانلي كوبريك 1980، ويتحوّل إلى شيء مختلف تماماً متجاوزاً حدود الواقعية. وأساساً أرونوفسكي يلمح إلى ذلك من البداية عندما تضع «أم» يدها على الحائط، وترى شيئاً يشبه القلب كأنه يموت.

يحوي الفيلم العديد من اللقطات الرمزية التي تفوق قدرة تصور أي مشاهد، وأرونوفسكي يزيد الجرعة كأنه يشن هجوماً كاسحاً على حواس الجمهور، خصوصاً عند مشاهد الذروة مع اكتمال الساعة الثانية، وهي تستحق وصف النهاية الأكثر جنوناً لفيلم ربما منذ بداية هذا العقد. في الوقت نفسه هو أفضل مشهد مجنون صنعه أرونوفسكي منذ انطلاقته.

في صلب فيلم «أم!» هناك أفكار أو موضوعات عدة، أولها عقدة الأنا الذكورية وغريزة الأمومة المقترنة بالاستقرار الأسري، وفكرة مقلقة تتركز حول أن البشر يريدون من شخص ما أكثر من قدرته على العطاء.

فيلم «أم!» بعيد تماماً عن فيلم الرعب التقليدي، وأرونوفسكي يوضح ذلك من البداية أنه سيتحرر من القوانين المعروفة لأفلام الرعب من نوعية اقتحام المنازل التي عهدناها، وتنتهي بصراع بين أصحاب المنزل والمقتحمين، بالإضافة إلى أن أرونوفسكي يستغل تلك الحرية لدراسة سلوك شخصياته من ناحية جنس كل شخصية.

مثلاً، الكاتب أو الشاعر يدعي أن إلهامه يأتي من الناس، لكن الحقيقة أنه يأخذ أكثر مما يعطي، وعقدة الأنا لديه تنتفخ أكثر بالإطراء من الآخرين، خصوصاً عندما يعاملونه كملك. أما زوجته فتنظف المنزل أو تصلح ما يفسده زوار زوجها مع رغبة جامحة في تكوين أسرة بدل أن تكون مجرد واجهة لزوجها.

شخصيات

أداءً، لورينس تؤدي دورها بشكل جيد لكن ليس عظيماً، وبمجرد دخول فايفر إلى الفيلم فإنها تخطف الأضواء من لورينس. بارديم جيد جداً ولديه نطاق واسع في التحوّل من شخصية هادئة إلى مرعبة بمجرد أن يطلق صرخة غضب. للعلم لورينس وبارديم حائزان جوائز أوسكار.

أرونوفسكي يبرع في دراسة سلوك الشخصيات النسائية أكثر من الرجالية، ففي فيلم Requiem For a Dream عام 2000 يصور أرونوفسكي شخصيتين نسائيتين، الأولى أدتها بتميّز الرائعة إلين بورستين بتقمصها شخصية أرملة عجوز تصاب بهوس النحافة لإصرارها على ارتداء فستان أحمر قديم في دولابها اعتادت ارتداءه مع زوجها. وكادت ذلك العام أن تفوز بالأوسكار للمرة الثانية خلال 25 سنة، إلا أن جوليا روبيرتس خطفته منها. الشخصية الثانية في الفيلم نفسه كانت أيضاً فتاة مدمنة مخدرات أدتها جينيفر كونولي.

وفي عام 2010 صنع أرونوفسكي فيلمه الشهير «البجعة السوداء» عن راقصة باليه تعيش هلوسات وكوابيس لغيرتها من زميلتها الراقصة الأخرى، وخوفها أن تفقد دور البجعة السوداء لمصلحة تلك الراقصة. وهنا ابتسم التاريخ لأرونوفسكي عندما ترشح للأوسكار كأفضل مخرج (خسر الجائزة لمصلحة توم هوبر عن فيلم خطاب الملك)، وفازت بطلته ناتالي بورتمان بأوسكار أفضل ممثلة عن جدارة واستحقاق.

اليوم جينيفر لورينس في «أم!» تعيش هلوسات وكوابيس أيضاً، لكنها لا تبدو قادرة على مجاراة القديرة بورستين ولا بورتمان. تصويراً، بعدسة ماثيو ليباتيك، كل اللقطات قريبة من وجه لورينس أو تلاحقها من الخلف، أي إن الفيلم يروى من وجهة نظر شخصية لا تعلم ما يجري حولها بالضبط مثل دور إيميلي بلانت في فيلم «سيكاريو».

يضع الفيلم وزناً ثقيلاً على لورينس بتسليط العدسة على وجهها بنسبة 99٪ من لقطات الفيلم، لكن لا يظهر أنها قادرة على حمله، خصوصاً في المشهد الأخير. الدور ليس سهلاً، فهي العاقلة الوحيدة وسط مجانين، لكن ليست لديها الكاريزما المطلوبة، ولا القدرة على تكوين الرابط العاطفي مع المشاهد، وفي أكثر من مرة لورينس تنكفئ في الخلفية، وتفقد القدرة على إعطاء الدور القوة والزخم المطلوبين، وللعلم فإن الممثلة صرحت في مهرجان فينيسيا السينمائي بأن الدور سبب لها اكتئاباً.