الإمارات اليوم

فيلم ضعيف.. ولا تناغم بين الممثلين

«رجل الثلج» يموت في صقيع النرويج

:
  • عرض: عبدالله القمزي

في مقال الخميس الماضي ذكرنا أحد أسباب تفوق التلفزيون على السينما، وقلنا: «نجح التلفزيون بفضل صيغته التي تسمح بمد قصص الأعمال الفنية فترة كافية لتأسيس كل العناصر، وإعطائها المساحة الكافية لإبراز كل سماتها النفسية والاجتماعية، بينما السينما لا تملك هذا القدر من الرفاهية».

 

 

 

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

هل سيعود المحقق إلى بيته

السؤال: هل سيعود المحقق إلى السينما؟ نعم سيعود يوماً لأن التاريخ يعيد نفسه بحقائق مختلفة، فيلم «لوس أنجلوس سري للغاية» عام 1997، لم ينجح إلا بعد فوزه بجائزتي أوسكار، ما دفع دور العرض إلى إعادته إلى الصالات؛ وبالتالي حقق مزيداً من الأرباح، وكانت تلك سابقة تاريخية في هذا الصنف. بداية هذا العقد انتصرت السينما الصامتة على الناطقة في فيلم «الفنان» في عزّ التطور التقني والمؤثرات الخاصة، وانتزعت منها أوسكار أفضل فيلم، وها هو «لا لا لاند» ترشح للأوسكار بعد انتهاء عهد سينما الأغاني الاستعراضية. بناء على ما سبق، نقول المحقق سيعود يوماً إلى بيته الذي طرد منه.. الشاشة الفضية.

• الفيلم مقتبس من رواية نرويجية لجو نيسبو، بالاسم نفسه حققت نجاحاً كبيراً.

• الحوارات ركيكة كأنها مكتوبة في النسخة الأولى من النص دون مراجعة.

فيلم The Snowman أو «رجل الثلج» يعاني هذه المشكلة، وهو مقتبس من رواية نرويجية لجو نيسبو، بالاسم نفسه حققت نجاحاً كبيراً في الوسط الأدبي، ولا يبدو أن السينما قادرة على ترجمة ذلك. الرواية هي السابعة في سلسلة تناولت شخصية المحقق هاري هول.

في الفيلم هاري هول (مايكل فاسبيندر) يحقق في قضية اختفاء امرأة في بداية فصل الشتاء، ويشك أن خلف اختفائها قاتلاً محترفاً يسمى رجل الثلج ينشط خلال ذلك الفصل، يلجأ هول إلى زميلة تُدعى كاترين برات (السويدية ريبيكا فيرغسون) التي تساعده على ربط القضايا الجديدة بأخرى حدثت في الماضي، على أمل أن يساعد الربط في الإيقاع بالقاتل قبل انتهاء الشتاء.

هذا القاتل يستهدف الأمهات في العاصمة النرويجية أوسلو، ويبني رجل ثلج في مسرح الجريمة كتوقيع خاص به. تعاون هول وبرات يقودهما لحل ألغاز قبل أن يتوسع التحقيق ليشمل مدناً أخرى في النرويج، وكذلك شخصيات غامضة؛ مثل رجل الأعمال الثري وغريب الأطوار آرفي (جي كي سيمنز)، والطبيب المخيف إيدار (ديفيد دينسك) والمحقق الثمل غيرت رافتو (فال كيلمر) الذي قتل - فيما يبدو أنه انتحار - أثناء عمله على تحقيقات في زمن ما قبل هول.

إنتاج رديء

المخرج السويدي توماس ألفريدسون (أخرج الفيلم الشهير TinkerTailor Soldier Spy)، يبدو أنه واجه الكثير من المشكلات أثناء التصوير، وذلك واضح في الأخبار الواردة عن الفيلم؛ إذ إن التصوير انطلق وانتهى العام الماضي، إلا أن الاستوديو طلب إعادة تصوير هذا العام أيضاً وهو ما يشير إلى أزمات في الإنتاج سببها غالباً مشكلات في كتابة السيناريو الذي وضعه حسين أميني وبيتر شتروغان وسورين سفيسترب.

الفيلم يبدأ ضعيفاً دون إثارة أي اهتمام، والحوارات ركيكة كأنها مكتوبة في النسخة الأولى من النص دون مراجعة، لا يوجد أي تناغم بين الممثلين وللمرة الأولى يظهر فاسبيندر مملاً على الشاشة. الحبكة مملوءة بتفاصيل تظهر فجأة في منتصف الفيلم دون تمهيد وبجرعات عالية وغير واضح كيف ترتبط بالقصة الأساسية، ثم تأتي النهاية مملوءة بكليشيهات بالية وكأن المنتجين (صينيون وبريطانيون والموزع استوديوهات يونيفرسال الأميركية) لا يخجلون من إنتاج أفلام بهذه الرداءة بعد أفلام بوليسية ناجحة في العقود الماضية.

شخصيات

جي كي سيمنز ممثل أدوار ذات طابع معين وفائز بأوسكار أفضل ممثل مساعد عن فيلم «ويبلاش» يظهر في مشهدين فقط، ورغم عادة شخصيته الغريبة وهي تصوير أي شخص يتعرف إليه بهاتفه الذكي لسبب لا نعرفه، وهي عادة تستحق الاستكشاف في شخصيته، لكن الفيلم لا يعيرها أي اهتمام.

ديفيد دينسك ممثل سويدي - دانماركي أدى أدواراً مهمة في هوليوود، ويظهر في دور طبيب مخيف لكن النص لا يستغل وجوده ويتجاهله بعد مشهد واحد. هول يظهر ثملاً طوال الوقت في الفيلم، وينام في أماكن عامة من شدة الثمالة، لكن رغم ذلك فهو محتفظ بلياقته، ويطارد القاتل في أحد المشاهد! هاتان الشخصيتان (سيمنز ودينسك) تستحقان مساحة أكبر، فما الهدف من جلب ممثل يتمتع بموهبة كبيرة أو فائز بأوسكار وإعطائه دوراً صغيراً لا يتعدى مشهدين، ولو ألغي من النص لما تأثر الفيلم أساساً وهذا خلل في الكتابة يعيدنا إلى التوسع في نقطة البداية، وهي تفوق التلفزيون على السينما في معالجة القصص البوليسية التي هجرت الشاشة الفضية إلى التلفزيون منذ بداية القرن الـ 21، ولم نشاهد سوى مجموعة أفلام جيدة لا تتعدى أصابع اليد منذ عام 2000.

غياب عهد ذهبي

غابت سينما المحقق في هوليوود وغابت معه القبعة والمعطف الطويل والسيجارة والمسدس والمكتب ذو الأغراض المبعثرة، غاب معه ذلك الباب الزجاجي المكتوب عليه اسمه واسم زميله الذي غالباً ما يمحى اسمه من على الباب عندما يتعرض لـ«قتل». غابت سينما المحقق في «ممر مظلم» وضاعت في «غابة الأسفلت». غابت الحسناء الشريرة مدبرة مؤامرة «التعويض المزدوج»، التي تريد إيقاع المحقق في فخها، واختفى الشرطي العنيد الذي يعترض طريقه في «مكان وحيد» بسبب تضارب الصلاحيات، وضاع اللص الذي يصطدم به لاستغلال دليل ثمين في مسرح الجريمة في زحمة «غرباء في القطار»، وغابت «لمسة شر» ومعها ذلك «الصقر الأسود» الذي سطر عهداً ذهبياً في سينما المحقق كانت يوماً ما اتجاهاً رئيساً لهوليوود والسينما الأوروبية على حد سواء، قبل أن تأفل في «بوليفارد غروب الشمس». اليوم كل هذا موجود في التلفزيون على شكل مسلسلات مصنوعة بشكل ممتاز، مثل «سي إس آي» وTrue Detective والرائع Fargo (نقصد المسلسل هنا، للعلم أن الفيلم الأصلي بالاسم نفسه عام 1996 أيضاً رائع) وCriminal Minds و«لوثر» والكثير من المسلسلات الأخرى التي خطفت المحقق من السينما، وأعطته الهيبة والمكانة التي يستحقها. في هوليوود احتل الأبطال الخارقون مكان المحقق؛ لأن الأخير لا يدر أرباحاً سريعة كما يفعل الأبطال في أول يومي عرض، ولا يستطيع دخول السوق الصينية إلا إذا تحول إلى زومبي مثلاً! لم يكتفِ صانعو الأبطال الخارقين بطرد المحقق من السينما بل تسببوا في رفع ميزانيات الأفلام بشكل مبالغ فيه؛ لأن الجمهور المستهدف هو الشريحة الكبرى، ما تسبب في هروب منتجي الأفلام المتوسطة والمنخفضة الكلفة من السوق وانضمامهم إلى التلفزيون.

من الجهة الأخرى، عاد بعض المنتجين إلى السينما كما في حالة فيلم «رجل الثلج»، ظانين أن فيلماً لا يضاهي تلك المسلسلات القوية قد ينجح، لكن الحقيقة أن الجمهور شاهد الأفضل على التلفزيون، ولن يذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم رديء، وهذا سبب إضافي لتراجع سينما المحقق «البوليسية».