الإمارات اليوم

فيلم دون بطولات رئيسة أو مساعدة

«دنكيرك».. كريستوفر نولان يعيد تعريف سينما الحرب العالمية الثانية

:
  • عرض: عبدالله القمزي

السؤال هو: كيف تستطيع تحويل سيناريو عن الحرب العالمية الثانية تحديداً إلى تحفة سينمائية، وأنت تعلم أن من سبقوك في المجال دخلوا التاريخ كعمالقة، وأنت كذلك تعلم أن سينما اليوم تغيّرت كثيراً عن سينما التسعينات، التي بدورها تختلف عما كانت عليه في السبعينات والخمسينات، وهي عقود شهدت أفلاماً عن تلك الحرب دخلت التاريخ كتحف سينمائية؟.. هذا السؤال الذي وجهه صانع الأفلام البريطاني الأصل كريستوفر نولان إلى نفسه، وهو يصنع فيلم «دنكيرك».

القصة التي تقع عام 1940، تروي - من ثلاث وجهات نظر - جولة دنكيرك التي خسرها الحلفاء في تلك الحرب. القصة الأولى عن إخلاء جنود الحلفاء مرسى دنكيرك الفرنسي، والانسحاب تكتيكياً باتجاه بريطانيا، وهي تجري على الأرض على مدى أسبوع. الثانية تحدث بالبحر في يخت يشارك في عمليات الإنقاذ في يوم واحد. الثالثة تحدث في الجو؛ حيث يتقاتل طيار بريطاني ضد طائرات قوات المحور مدة ساعة واحدة، والقصص الثلاث تتداخل وتمتزج من بداية الفيلم إلى نهايته.

حالة فريدة جداً

وسط اللقطات

صوّر المخرج كريستوفر نولان «دنكيرك» بفيلم 65 مم (صيغة آيماكس)، وجزء كبير من اللقطات مصور من زاوية عريضة، سواء أرضاً أو بحراً أو جواً، إلى درجة أن المشاهد قد يشعر بأنه ضائع في اللقطة من ضخامتها، والهدف واضح، ويتسق مع تصريحات نولان في «سينماكون»، الذي أقيم في لاس فيغاس مارس الماضي؛ عندما حثّ نولان معجبيه على مشاهدة «دنكيرك» في صالات السينما، وليس عبر خدمة فيديو تحت الطلب.


• 3 وجهات نظر، تتداخل وتمتزج من بداية الفيلم إلى نهايته.. في ثلاثة أزمنة مختلفة، دون حوارات أو دراما أو قصة حب.

لا توجد بطولة في هذا الفيلم، والمشاهد موزعة بين جندي يدعى تومي (ممثل غير معروف اسمه فيون وايتهيد، وهو تقريباً أكثر شخصية ظهرت على الشاشة)، وهو جندي عالق على الشاطئ، ويحاول النجاة من قصف الألمان. ثم هناك داوسون (مارك رايلانس)، الذي يقود اليخت، ويحاول إنقاذ أكبر عدد ممكن من الجنود، مدفوعاً بروحه الوطنية.

وهناك الطيار فارير (توم هاردي)، الذي ظهر مقنّعاً طول الفيلم. الشخصيات الأخرى أو الأقل حضوراً هي كيليان ميرفي في دور جندي مصاب مصدوم، والقائد بولتون (كينيث براناه)، وهو مسؤول عسكري بريطاني رفيع المستوى. لا نستطيع القول أبداً إن هناك شخصيات رئيسة وأخرى مساعدة في هذا الفيلم، فهو حالة فريدة جداً في نوعها من ناحية توزيع الأدوار. في الوقت نفسه لا يمكن اعتباره دراما حرب سوى في جزئية الطيار فارير، وهو الوحيد الذي يرد على نيران القوات الألمانية، أما القصتان الأخريان فلا تعتبران دراما حربية؛ بل تصنفان في خانة دراما النجاة، المندرجة بدورها تحت سينما الكوارث.

وبما أن كل شخصيات الفيلم تتفاعل مع الحدث الرئيس فيه (هجوم الألمان)، فهو يعد مرتكزاً على الحبكة في تسيير أحداثه (سمة دائمة لأفلام الكوارث)، عكس كل أفلام نولان السابقة التي اعتمدت على سلوك الشخصيات في دفع أحداث القصة.

زعيم الموجة

«دنكيرك» يندرج حتماً ضمن موجة السينما التجديدية، التي تحدثنا عنها سابقاً، بل يمكن القول إن نولان يتزعم هذه الموجة، فهو الوحيد الذي يجدد السينما بأفكار مبتكرة جداً. نولان كان أول من أحدث ثورة في أفلام القصص المصورة، عندما وضع ثلاثية فارس الظلام 2005-2012 (باتمان) في قالب واقعي، وكان إخراجها من الخيال يعد تجريداً كاملاً من سياقها.

نولان كان الأول والوحيد، الذي تلاعب بفكرة تمدّد وقصر الزمن وعلاقته بالمكان؛ كأنه مهووس بالفكرة في خمسة أفلام، هي: «ميمينتو» و«إنسومنيا» و«إنسبشن» و«إنترستيلار»، وهذا الفيلم «دنكيرك»، وكل فيلم يوظف الفكرة ذاتها في قالب جديد.

«ميمينتو» كان فيلماً يتقدم خطوة إلى الأمام في لقطة، ويعود إلى الخلف خطوتين في اللقطة التالية! «إنسومنيا» عن ضابط يحقق في جريمة يصاب بالأرق إلى درجة الهذيان، عندما يتغير عليه الوقت في ألاسكا، «إنسبشن» عن رجل متخصص في غزو عقول أشخاص وزراعة أفكار معينة فيها، وبمجرد انغماسه فيها يدخل في تناقض مع الوقت، «إنترستيلار» عن رائد فضاء تجاوز 100 عام، دون أن يشيخ لأنه حط على كوكب أسرع زمنياً من الأرض، و«دنكيرك» يمزج قصة تحدث في أسبوع، بأخرى في يوم، وثالثة في ساعة بوقت واحد.

تبسيط مبتكر

في «دنكيرك» نولان ابتعد عن خطوط أفلام الحرب العالمية الثانية التي عهدناها، فلا هو يبالغ في تصوير العنف (خط ستيفن سبيلبيرغ وميل غيبسون)، ولا هو فلسفي (خط تيرانس مالك في فيلم الخط الأحمر الرفيع).

نولان بسّط الفكرة بطريقة مبتكرة، فكانت النتيجة أول فيلم عن الحرب العالمية الثانية يروى بثلاث وجهات نظر في ثلاثة أزمنة مختلفة ومتداخلة دون حوارات أو دراما أو قصة حب، كما اعتدنا، لكن بديل نولان هو كيف تنجو شخصياته من الهجوم الواقع عليها؟ هل ستخرج من هذا الموقف أو ذاك؟ لو نجت من وابل الرصاص في هذا المشهد، هل ستنجو من القنابل في المشهد التالي؟

كل هذه الأسئلة يدعمها نولان بأدوات سينمائية تمكن تماماً من استخدامها، فقلل الحوارات، وأتاح الفرصة للكاميرا والموسيقى والأداء الصامت القوي، من ثلاثة ممثلين تفوقوا فيه على البقية: رايلانس، وهاردي، وبراناه.

الفيلم لا يبدو مهتماً بخلفيات الشخصيات، وكل تركيزه على ما يحدث الآن فقط، وهذه الجزئية الوحيدة التي يفتقدها «دنكيرك». نولان يقترب في بعض المشاهد من استكشاف خلفيات بعض الشخصيات، لكنه يتراجع بسرعة كأنه يعاند نفسه. شخصية رايلانس مثلاً لم تستغل لإبراز هوس الرجل بعملية الإنقاذ، وهو جانب رائع في شخصية لا نجدها أصلاً في أفلام الكوارث.

هناك مشهد لطيار يسقط في الماء، ولا يستطيع الخروج من قمرة الطائرة التي تتسرب إليها المياه، المشهد محبوك بطريقة رهيبة، لكن لا وزن للشخصية لأننا لا نعرف شيئاً عنها. مشهد آخر يحدث فيه الكثير من الدمار بمساحة صغيرة، وكل أدوات نولان حاضرة فيه، لكنه يبالغ كثيراً في توظيف الموسيقى المكونة من طبقتين، بينما المشهد مكتفٍ بطبقة واحدة، خصوصاً أن نولان متمكن أصلاً من أدواته الأخرى؛ فكانت النتيجة أن الموسيقى طغت بشدة على العناصر الأخرى، وتحولت لثوانٍ قليلة إلى ضوضاء. طبعاً هذه الضوضاء الموسيقية عيب بارز في الأعمال العربية والخليجية دون استثناء.

نولان صانع أفلام فذ، مثله مثل ستيفن سبيلبيرغ، يدير مشروعات متنوعة الأحجام في الوقت نفسه، فهو انتقل من «إنسومنيا» إلى «باتمان يبدأ» إلى «ذا برستيج»، وعودة إلى «باتمان فارس الظلام» ثم قفز إلى «إنسبشن» وهي كلها أفلام تختلف بشدة عن بعضها بعضاً من كل النواحي، ولم يفعلها أحد في التاريخ الحديث سوى سبيلبيرغ.

نولان هو الوحيد الذي يقول إنه يجرب أو يتمرّن عند صناعة فيلم ما، ويتحول التمرين إلى تحفة سينمائية من الطراز الرفيع، والمثالان الأبرز هما «ميمينتو»، و«دنكيرك» الذي جدد سينما الحرب العالمية الثانية.