الإمارات اليوم

خليط من أفكار عدة غير مكتملة

«الوحش» يخرج من الغابة ويضيع بين الدراما والرعب

:
  • عرض: عبدالله القمزي

يحدث أحياناً كثيرة أن كاتباً أو مخرجاً أو الاثنين معاً، كما في حالة هذا الفيلم، يصنع فيلماً لإبراز فكرة معينة ويهيئ كل ظروف وعناصر القصة لخدمتها كي تظهر على أفضل وجه، لكنه يضيع في تناقضات التفاصيل أو أنه يضيف الكثير من التفاصيل بعد الانتهاء من كتابة النص والشروع في التصوير، فتكون النتيجة أن لا شيء مما يحدث له معنى، وآخر مثال كان فيلم «باسنجرز» الأسبوع الماضي.

اليوم لدينا فيلم The Monster أو «الوحش» عن أم مدمنة تُدعى كاثي (زو كازان) تخرج مع ابنتها ليزي (إيلا بالينتاين) في رحلة طويلة بالسيارة إلى طليقها ووالد الفتاة، فتتعرضان لحادث تتعطل على أثره السيارة، وتكتشفان أنهما اصطدمتا بذئب، ثم تتعرضان لهجوم من وحش! نعم وحش موجود هكذا بلا مقدمات ويختبئ في الغابة المجاورة.

بالطبع المشاهد المتمرّس سيخمّن قبل الانتهاء من قراءة هذه الفقرة أن الأم وابنتها ستتصارعان ضد الوحش وتهزمانه، لكن في الحقيقة لا يوجد صراع أو ليس الصراع الذي يجعلك ملتصقاً بكرسيّك وتتصبب عرقاً، بل أنت تتصارع مع نفسك كي تغادر أو لا تغادر الصالة، كما في حالة كاتب هذه السطور المضطر إلى مشاهدة المهزلة التي تحدث أمامه.

الفيلم هو خليط من أفكار عدة غير مكتملة، أولاً، لدينا أم مدمنة كحول من النوع الذي يخرج المشروب من القمامة، لو اضطرت إلى ذلك، وتشربه أمام منزلها وهي تلعن نفسها التي تهزم دائماً أمام إدمانها، قبل أن تسقط في الحمام وتتقيأ ما شربته، فتأتي ابنتها لتنظف قذارة الأم. يعني فيلم دراسة سلوك شخصية.

ثانياً، لدينا علاقة متوترة بين الأم وابنتها بسبب مشكلة الإدمان تلك، ويصل الأمر إلى تبادل الشتائم بينهما، وليس أي شتائم، بل أقذع الألفاظ التي ستُخجل أي شخص يمر أمامهما. يعني فيلم ميلودراما.

ثالثاً، لدينا قصة وحش يعيش في الغابة، وهذه بالذات غير مكتملة إطلاقاً. يعني فيلم رعب من نوع إنسان ضد الطبيعة. ورابعاً، لدينا قصة تلاقي القصتين، والتي ستأخذ الفيلم إلى خانة دراما النجاة.

الآن نخوض في تفاصيل مشهد واحد فقط، كاثي وابنتها ليزي في السيارة تتجادلان، وفجأة تصطدمان بالذئب وتتعطل السيارة. تطلب كاثي من ابنتها الاتصال بميكانيكي وخدمة الإسعاف، قبل أن تخرجا وتتفحصا الذئب عن قرب، ثم تقول كاثي: «أظن أنه مات». تنحني وتلتقط شيئاً يشبه الناب وتأخذه معها إلى السيارة وتضعه فوق لوح القيادة، ولا يوجد أي سبب يجعلها تفعل ذلك! سوى أن المخرج برايان بيرتينو يريد تسليط عدسته عليه لنراه بوضوح!

يصل الميكانيكي قبل سيارة الإسعاف ويبدأ بإصلاح السيارة، بينما تضع ليزي أغراضهما الشخصية في حقيبة أمها، بما في ذلك الهاتف المحمول! ما يعكس ثقتهما الشديدة في شخص يقابلانه للمرة الأولى! ودون أدنى اعتبار في أن يكون الميكانيكي مجرماً خصوصاً أن الشارع معزول وسط غابة! المهم تضع ليزي الحقيبة في سيارة الميكانيكي، وعندما تعود لسيارة الأم تكتشف فجأة أن الذئب اختفى من الشارع، لكن الأم تقنعها أنه زحف إلى الغابة ليموت هناك.

تطلب كاثي من ليزي إحضار الحقيبة من سيارة الميكانيكي، تذهب ليزي وتطلب من الميكانيكي مساعدتها في إحضار الحقيبة، لكن الرجل مشغول في إصلاح سيارتهما، فيعرض على ليزي إعطاءها المفتاح لتأخذ الحقيبة بنفسها، لكن في تلك اللحظة تسمع ليزي صوت شيء في الغابة، فتذهب إلى مصدر الصوت لتجد جثة الذئب ممزقة. للعلم أن ردة فعل ليزي هنا لا تعكس خوفاً أو مفاجأة برؤية جثة الذئب الممزقة! بالتأكيد غلطة المخرج وليست الممثلة!

تصرخ ليزي لتخبر أمها أنها وجدت جثة الذئب! لكن ليزي أو المخرج نسي أن الليلة ماطرة والأم تجلس في السيارة، ونحن نراها وقطرات المطر تنساب على زجاج نوافذ السيارة، ما معناه أن الأم لا يمكنها سماع صراخ ابنتها والنوافذ مغلقة! خصوصاً أن المسافة بعيدة وتقدّر بعشرين متراً على الأقل!

تعود ليزي إلى السيارة وتخبر أمها بما رأته، في الوقت نفسه يسمع الميكانيكي صوتاً فيحرك مصباحه ليرى ما الأمر، يعود المخرج إلى السيارة، حيث تصرخ كاثي على الميكانيكي تسأله متى ينتهي من مهمته، لكن المخرج نسي مرة أخرى أن النوافذ مغلقة!

تخرج كاثي من السيارة وتنظر أسفلها فلا ترى الميكانيكي، لكن تجد مصباحه. ليزي تبقى في السيارة، بينما تذهب كاثي إلى سيارة الميكانيكي بالمصباح فترى يد الميكانيكي مقطوعة في الشارع، فتصرخ وتعود إلى سيارتها. يظهر الميكانيكي زاحفاً جراء إصابته عائداً إلى سيارته ثم يخرج الوحش من الغابة وهو يشبه «غودزيلا»، لكن أصغر بكثير من ذلك العملاق، ويقضي على الميكانيكي.

- الوحش أو «غودزيلا الغابة» ذكي، لأنه يتصرف وفقاً لأوامر المخرج، وليس طبقاً لسجيته! ويحطم زجاج سيارة كاثي ويقتلعها من داخل السيارة، قبل أن تفسد عليه مهمته سيارة الإسعاف

- المخرج مُصرّ على مواجهة حمقاء بين كاثي وليزي ضد «غودزيلا الغابة»، ويتبين لنا أنه يخاف من الأضواء ويهرب منها، لكنه لا يشرح كيف ينجذب إلى ضحاياه!

طبعاً الوحش أو «غودزيلا الغابة» ذكي، لأنه يتصرف وفقاً لأوامر المخرج، وليس طبقاً لسجيته! ويحطم زجاج سيارة كاثي ويقتلعها من داخل السيارة، قبل أن تفسد عليه مهمته سيارة الإسعاف! بالطبع سيارة الإسعاف في أفلام كهذه تصبح أداة قصة، فنحن نعلم ونحن مغمضي الأعين أن لا أحد من المسعفين سينجو، لأن المخرج يريد سيارتهم فقط لتقودها كاثي وابنتها لتهربا من «غودزيلا الغابة»!

لكن هيهات، فـ«غودزيلا الغابة» لهما بالمرصاد، فلا نعلم كيف يظهر فجأة أمامهما بعد أن تهربا بمسافة كافية، فتنحرف كاثي بسيارة الإسعاف وتنقلب رأساً على عقب!

المخرج مُصرّ على مواجهة حمقاء بين كاثي وليزي ضد «غودزيلا الغابة»، ويتبين لنا أنه يخاف من الأضواء ويهرب منها، لكنه لا يشرح كيف ينجذب إلى ضحاياه!

هل تجذبه الرائحة، كما هو الحال مع وحش فيلم «جيبرز كريبرز»؟ هل يرى ضحاياه بالمسح الحراري، كما هو الحال مع الوحش الفضائي الذي قضى على فرقة آرنولد شوارتزينيغر في فيلم «المفترس»؟ لا إجابات غير أنه يخاف الضوء.

لو كان يخاف الضوء، فكيف يهجم على كاثي وابنتها في شارع مضاء؟ وكيف يظهر أمام سيارة الإسعاف وأنوارها مضاءة؟ وكيف يهجم على كاثي وليزي بعد انقلاب سيارة الإسعاف وبقاء أنوارها مضاءة في وجهه؟ وكيف يهجم على ليزي داخل سيارة الإسعاف المضاءة بالكامل من الداخل؟

«غودزيلا الغابة» قبيح، لكنه غير مخيف كأنه من أفلام التسعينات، وصوته يشبه صوت الدراجة النارية المعطلة عند محاولة تشغيلها! المواجهة ضد «غودزيلا الغابة» تتخللها مشاهد «فلاشباك» تعكس حياة كاثي وابنتها في الماضي، وكيف أثرت تلك المحنة، أي ظهور الوحش، في العلاقة بينهما وأصبحتا مترابطتين. ويا ليت المخرج ركز على مشاهد الـ«فلاشباك» تلك وترك «غودزيلا الغابة» في حاله.

لا نعلم إن كان هذا مجرد فيلم غبي عن «غودزيلا» جائع أم هو رمز لشيء ما مثل شياطين كاثي أو إدمانها أو علاقتها السيئة مع ابنتها أو حتى دونالد ترامب! لا يهم. ونختم، هذا الوحش بلا اسم وتسمية، «غودزيلا الغابة» هي من تأليف كاتب هذه السطور.

آخر الأخبار
المزيد من الأخبار المنوعة