الإمارات اليوم

أناتول ديبلار.. حكاية جلاد أنيق يقطع الرؤوس بحرفية وضمير

التاريخ::
المصدر:
  • ترجمة كمال بوسبع عن «ليبراسيون» الفرنسية

في عام 1863، بمدينة رين الفرنسية، ولد أناتول ديبلار، سليل عائلة «الجلادين»، إذ كان كذلك والده لويس وجده لأبيه جوزيف، وكانت هذه الوظيفة تتوارث بين العائلة الواحدة، ورسخ هذا المبدأ إدارياً منذ القرون الوسطى.

1863: العام الذي ولد فيه أناتول، بمدينة رين الفرنسية.

50 سنةً خدمةً، قضاها «قاطع الرؤوس بالمقصلة» في مهنته.

395 إعداماً بالمقصلة نفّذها أناتول ديبلار.

ومهنة «قاطع الرؤوس بالمقصلة» أصبحت حتمية على أناتول ديبلار، في الـ19 من عمره، وبالتحديد سنة 1882، إذ سافر إلى الجزائر مع جده لأمه، بغية التدريب، وكان له ذلك، وأول تجربة له كانت تنفيذ إعدام بحق سجين يدعى فرانسيسكو أركانو، وتابع تدريباته في الجزائر حتى وفاة جده عام 1890؛ وكان في حصيلته 17 إعداماً.

خلال ذلك العام؛ رجع أناتول إلى مدينته رين، وواصل وظيفته مساعداً لوالده؛ ونفذ أحكام الإعدام بحق 78 محكوماً عليهم. وفي عام 1899 نفّذ حكم الإعدام بحق السفاح الشهير - آنذاك - جوزاف فاشر، ومباشرة تمت ترقيته في السلم الإداري ليصبح رئيس المنفذين، وليكون بمثابة مصدر فخر لأبيه. وكتبت الصحافة بإعجاب شديد عن مسار «الجلاد» الوظيفي؛ ووصفه الكاتب إيمانويل شاتيون بأنه «شاب أنيق ينفذ بحرفية رفيعة عمله، إنه جلاد معاصر».

تزوج أناتول بشابة تدعى روزالين، ورُزق منها بطفله الأول روجيه عام 1899، لكن لم تدم فرحته طويلاً، إذ مرض الرضيع، وبسبب رعونة الطبيب المعالج أعطى الوليد المريض دواء غير ملائم؛ ما أدى إلى وفاته، وكان لهذه الحادثة أثر عميق في نفس أناتول.

هاوٍ للطبخ.. وخلوق

في بلد ميلاد قانون حقوق الإنسان و المواطنة، كانت الأغلبية فيه ضد عقوبة الإعدام، وتنادي بإلغائها، نظراً لمخالفتها مبدأ أساسياً لهذا القانون، وهو الحق في الحياة

يروي أفراد عائلة «الجلاد» والأصدقاء أنه كان «شخصاً عادياً يتردد إلى قاعات السينما، وهاوياً للطبخ وخلوقاً واجتماعياً، لكن الصفة السيئة فيه أنه كان كثير التدخين».

وخبرة أناتول قادته إلى تنفيذ أحكام الإعدام بالمقصلة خارج حدود بلاده؛ إذ مارس وظيفته في بلجيكا وألمانيا لمصلحة البلدين.

وكان أناتول شهيراً ومبجلاً في أوساط المجتمع الفرنسي (في بلد ميلاد قانون حقوق الإنسان و المواطنة، كانت الأغلبية فيه ضد عقوبة الإعدام، وتنادي بإلغائها، نظراً لمخالفتها مبدأ أساسياً لهذا القانون، وهو الحق في الحياة)، إذ كان مساره الوظيفي مصدر إلهام لمغنين وأدباء، وصُور فيلم يروي سيرة الرجل.

«الجلاد» كان كذلك يعتني بمظهره الخارجي، إلى درجة أن مجلات الموضة والأزياء اهتمت بتفاصيل حياته اليومية، إذ كان «أنيق زمانه» يرتدي لباساً تغلب عليه الألوان الداكنة، وكان صاحب لحية مشذبة ومبتسماً وخجولاً.

تدوين لحظات عصيبة

في سنة 1906، انتخب أرموند فاليراس رئيساً للجمهورية الفرنسية، فكان لأنصار إلغاء قانون الإعدام صدى كبير ، ما أجبر الرئيس على إصدار أوامر رئاسية بالإعفاء من عقوبة الإعدام بحق الكثيرين ممن صدر بحقهم سابقاً.

فوجد الشاب ديبلار نفسه بلا عمل، ومجبراً على البحث عن عمل آخر، فاختار تجارة المشروبات، وكان لزاماً عليه تبني اسم آخر، وذلك خشية إفزاع زبائنه، كونه كان شخصية معروفة، فاختار اسم فرانسوا ريجيس، لكن تلك الحال لم تستمر كثيراً، ففي عام 1907 أعيد النظر في أمر رئاسي، يتعلق بإعفاء مجرم دين بالاعتداء الجنسي والقتل الهمجي لبنت عمرها 11 سنة، وكان ذلك بسبب تأثير الصحافة، فطالب الرأي العام بتطبيق عقوبة الإعدام من جديد عليه، فكان لهم ذلك ونفذت عقوبة الإعدام، وتوالى بعد ذلك تطبيقها في جرائم أخرى.

ما لا يجب تجاهله، بجانب خبرته وحرفيته ومهارته في تنفيذ أحكام الإعدام بالمقصلة، أن ضميره المهني هو ما جعل الفرنسيين يحترمونه أكثر من أي شيء آخر، فقد كان متميزاً وسرياً، وتطغى عليه الإنسانية، وللتخفيف عن نفسيته سجّل في دفتره الخاص، تحت عنوان «دفتر تنفيذ الأحكام 1885 – 1939»، كل تفاصيل وظيفته.. في البداية كان يسجل التواريخ، والأماكن، واسم المنفَّذ فيه، ونوع الجرم المنسوب إليه، والأحداث التي جرت أثناء المرافعات في المحاكم، وبعدها أصبح يدوّن عملية التنفيذ بدقة؛ إذ كان يصف حالة المحكوم عليه بالإعدام منذ إيقاظه من النوم على حين غفلة، ويروي طريقة ربطه عنق المجرم، وتكبيل يديه، وآخر الكلمات التي يصدرها المحكوم عليه تجاه المجتمع وعائلته.

وكتبت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية عنه: «يقول (أناتول ديبلار) في سيرته الذاتية»: أفضل أن يموت المحكوم عليهم بكرامة، ويصف حالتهم النفسية التي تختلف شدتها ودرجتها من الخوف إلى الشجاعة عند نظرهم إلى آلة الموت.. صراخ البراءة وشعور بالاحتقار والظلم تارة.. والعناد والتكبّر واللامبالاة تارة أخرى، وإلقاء كلمات وداع مؤثرة لعائلته وأبنائه.. يرسم هذه الفترة العصيبة بدقة وحياد، كل قصة لرجل أو امرأة على حدة، بترتيب زمني منظم، كان يؤشر باللون الأزرق إلى الأشخاص الذين استفادوا من العفو، بينما يؤشر بالأحمر إلى من نفذ فيهم حكم الإعدام.

وبعد وفاة أناتول ديبلار، حفظت تلك الوثائق زوجته وابنته، ثم استفاد منها مركز البحوث التاريخية، وفي عام 2003 بيعت في مزاد بـ100 ألف يورو، لشركة متخصصة في المخطوطات القديمة، ولم يحظَ أي شخص بعد وفاته برتبة رئيس المنفذين، إلا بعد تدخل أرملته أمام الجهات المختصة، وإعطاء موافقتها الضمنية لصالح صديقه ومساعده في الوظيفة.

وفي التاسع من أكتوبر عام 1981، تمت المصادقة على قانون إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً في فرنسا.

توفي في طريقه لقطع الرأس 396

توفي منفذ الإعدامات عن عمر يناهز 76 سنة، بتاريخ 3 فبراير 1939، في محطة ميترو بنواحي باريس، حيث كان ينتظر القطار متجهاً إلى مدينة رين (مسقط رأسه)، لتنفيذ حكم الإعدام بحق موريس بيلورج، وكان المحكوم عليه بالمقصلة يحمل الرقم 396 في أجندة ديبلار، ووقع فجأة الرجل العجوز أرضاً على رصيف محطة القطار، ضحية أزمة قلبية، إذ توفي بعد نقله إلى المستشفى .

آخر الأخبار
مواد ذات علاقة