«المركزي»: لم نلحظ تجاوزات في «التورق» يمكن أن تــؤثر في سلامة النظام المصرفي
مصرفيون يطالبون بــإنشاء وحدة رقابة على المصارف الإسـلامية
«المركزي» يقوم بعمليات تفتيش دورية على جميع المصارف ومنها «الإسلامية». تصوير: إريك أرازاس
طالب مصرفيون المصرف المركزي، بإنشاء وحدة تابعة له مهمتها الرقابة على المصارف الإسلامية، والتعاملات المصرفية الإسلامية.
وأوضحوا لـ«الإمارات اليوم»، سلبيات التورق، إذ إن الفقه الإسلامي يربط الدَين بأصل ثابت، عكس ما يحدث الآن من منح تمويلات بأضعاف الأصول الثابتة، فضلاً عن مخاطره، بمنح تسهيلات دون وجود ضمانات تعادلها، ما يفتح المجال أمام تعثرات عدة، نتيجة زيادة المديونية، ما أوجد مدارس عدة، منها ما يجيزه، ومنها ما يعتبره تحايلاً. ولفتوا إلى نجاح التجربة الماليزية، وإمكانية تطبيقها في السوق المحلية.
من جانبه، أفاد المصرف المركزي بأنه يقوم بالتفتيش على عمليات التورق، ولم يلحظ تجاوزات يمكن أن تؤثر في سلامة النظام المصرفي، أو ملاءة المصارف.
وكان محافظ المصرف المركزي، سلطان بن ناصر السويدي، قال في خطابه الافتتاحي خلال مؤتمر القمة الآسيوية للمصارف الإسلامية، الذي انعقد في سنغافورة في يوليو ،2010 إن «أرقام المصارف الإسلامية مثيرة للإعجاب، لكن هناك تحديات تحتاج إلى مزيد من التركيز عليها من قبل الفقهاء، أولها الفتاوى الصادرة عن المجالس الشرعية المختلفة للمصارف الإسلامية، التي يجب تنسيقها وتعزيز التوافق فيما بينها على نحو أفضل من ذي قبل.
|
8 مصارف يبلغ عدد المصارف الإسلامية في الإمارات حالياً ثمانية مصارف لديها 219 فرعاً، وتبلغ موجوداتها ومطلوباتها 242 مليار درهم (65.8 مليار دولار) حتى نهاية عام ،2009 وهو ما يمثل 16٪ من إجمالي الموجودات والمطلوبات في النظام المصرفي. وبلغ مقدار الودائع في المصارف الإسلامية حتى نهاية عام ،2009 نحو 183 مليار درهم (49.8 مليار دولار)، وهو ما يمثل 18.7٪ من إجمالي الودائع في النظام المصرفي. |
مخاطر التورق
وتفصيلاً، قال أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة رايس بولاية تكساس الأميركية، الدكتور محمود أمين الجمل، إن «المصارف الإسلامية تجاوزت إلى ما هو محرم شرعاً، باعتمادها على (التورق) الذي يقوم على فكرة شراء السلع، وإعادة بيعها للمتعامل، ثم شرائها مرة أخرى، مقابل نسبة ربح محددة لا تختلف عن الفائدة التي تتعامل بها المصارف التجارية».
وأضاف أن «للتورق مخاطر كثيرة، نظراً لأنه يمنح المتعامل تسهيلات من دون وجود ضمانات تعادلها، ما يفتح المجال أمام تعثرات عدة نتيجة زيادة المديونية، وهو أحد أهم أسباب الأزمة المالية العالمية، عندما باعت مصارف عالمية عدة، الدَين الواحد، إلى أكثر من جهة من خلال التوريق».
وأوضح أن «التورق أكثر ضرراً من الربا، إذ إن الفقه الإسلامي يربط الدَين بأصل ثابت، عكس ما يحدث الآن من منح تمويلات بأضعاف الأصول الثابتة»، لافتاً إلى أن العديد من المتعاملين يفضلون المصارف الإسلامية، مدفوعين بالوازع الديني الذي تستغله بعض تلك المصارف، لتكديس أرباحها على حساب مصلحة المتعامل، على الرغم من أن في الفقه الإسلامي ضوابط رقابية أعلى من تلك التي تفرضها المصارف المركزية، ولو التزمت الأخيرة لاختلف الوضع كثيراً.
وأشار إلى أن مقولة المصارف الإسلامية أنها لا تخضع للرقابة طالما تلتزم بالشرع ليست مهمة، لكن مكمن الخطورة هو أن يكون هناك تحايل في ظل غياب الرقابة.
وكشف الجمل أن «هناك مصارف ومصرفيين أجانب، التقطوا الخيط واتقنوا فنون التحايل للاستفادة من حجم الاقبال الكبير على الصيرفة الإسلامية»، مشيراً إلى ظهور نوافذ خدمات إسلامية لمصارف أجنبية تجارية، ما يستدعي إعادة النظر في القطاع المصرفي الإسلامي، خصوصاً في دول المنطقة.
لا اختلافات جوهرية
من جانبه، قال الخبير المصرفي، يوسف عبدالله يوسف، إنه «لا توجد اختلافات جوهرية بين عمل المصارف الإسلامية والتجارية، إلا في المسميات».
وأضاف أنه «إذا أخذنا في الحسبان، احتفاظ مصارف إسلامية بودائعها لدى مصارف تجارية، أو الاقتراض منها، فإنه يتضح أهمية وجود أسس واضحة وموحدة لعمل هذه المصارف، منعاً لاستغلال النزعة الدينية لدى كثير من المتعاملين في تكديس أرباح».
وأوضح أن «هناك أصواتاً كثيرة تقول بعدم خضوع المصارف الإسلامية لإجراءات الرقابة المتبعة من قبل المصارف المركزية، واعتمادها على لجان فتوى داخلية وإقليمية، ما فتح المجال لتطبيقات مختلفة، كل حسب مصلحته الخاصة».
وطالب يوسف بأن ينشئ المصرف المركزي وحدة تابعة له، مهمتها الرقابة على المصارف الإسلامية وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية، لتكون جميع فتاوى الخدمات المصرفية موحدة، وعدم السماح بلجان تابعة لكل مصرف على حدة، داعياً إلى إغلاق النوافذ الإسلامية التابعة للمصارف التجارية والأجنبية، لأنها ممنوعة من منح تسهيلات للمتعاملين بنسب تجاوز نصف رأسمالها، ما يدفعها إلى اللجوء إلى محفظة المصرف التابعة له، لتوفير سيولة للمتعاملين، وهو ما يتنافى مع أحكام الشريعة، ولا يتوافق مع الهدف الذي أنشئت من أجله.
في سياق متصل، قال خبير الصيرفة الإسلامية، أحمد عيد، إن «المصارف الإسلامية تقدم خدماتها ومنتجاتها بعد موافقة اللجان الشرعية التابعة لها، وهي لجان مستقلة، عدد كبير من أعضائها موجود في معظم المصارف».
وأضاف أن «معظم المصارف الإسلامية تعلم جدياً مخاطر عميلة التوريق، ولا تلجأ إليه إلا في أضيق الحدود، عندما تشتري مديونية أحد المتعاملين من مصرف تجاري»، لافتاً إلى أنه يشترط الموافقة المسبقة للجنة الشرعية على ذلك.
وأوضح أنه «لو وجدت اللجنة عند مراجعتها تحويلات المصرف الإسلامي، عمليات توريق، فإنها تحرم الأرباح المتأتية منها، ولذلك فإن هناك حرصاً شديداً على عدم العمل بنظام التوريق لخطورته، وعدم توافقه مع الشريعة الإسلامية».
وذكر عيد أن هناك مصارف أجنبية دخلت السوق بعباءة الصيرفة الإسلامية، للاستفادة من فورة النفط، وتزايد أعداد المتعاملين الذين يفضلون كل ما هو إسلامي، على الرغم من أن هذه المصارف تقليدية بالدرجة الأولى، وفيها رؤوس أموال لجهات عدة، ولا يهمها سوى الربح.
وأكد أن «ممارسات بعض المصارف الإسلامية لا تتوافق مع أبسط مبادئ الشريعة الإسلامية، خصوصاً تلك المتعلقة بالرسوم والعمولات التي يظهر جلياً بها مدى الاستغلال باسم الدين، حتى صار هناك شك في صدقيتها، وتزعزعت الثقة بها»، مشيراً إلى وجود مصارف ملتزمة.
التجربة الماليزية
في السياق ذاته، قال خبير الصيرفة الإسلامية رئيس لجنة الفتوى الشرعية في مصرف إسلامي، أمجد العدل، إن «الاشكالية الرئيسة في مجال الصيرفة الإسلامية، تكمن في غياب القوانين والتشريعات التي تنظم عمل المصارف الإسلامية»، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن الإمارات شهدت تأسيس أول مصرف إسلامي على مستوى العالم في السبعينات، وهو مصرف دبي الإسلامي، فإنه لا يوجد سوى القانون الاتحادي الصادر عام ،1985 الذي يشترط وجود هيئة رقابة وفتوى خاصة بكل مصرف، لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة.
وأفاد بأن «هناك دولاً لديها تجارب متقدمة في تنظيم عمل المصارف الإسلامية، مثل ماليزيا التي يوجد فيها قانون خاص للتمويل الإسلامي، ووحدة رقابة شرعية مركزية تتبع المصرف المركزي، مهمتها الإشراف والرقابة على المصارف الإسلامية، تتبعها لجنة فتوى شرعية مهمتها توحيد فتاوى جميع المنتجات التي تقدمها المصارف، لمنع الاختلافات الفقهية والآراء عند التطبيق».
وأضاف أن «التجربة الماليزية أثبتت نجاحها، ويمكن الاستفادة منها في السوق المحلية، خصوصاً أن أهم ما ينقصنا غياب قانون شامل للتمويل الإسلامي، ما نتج عنه أن جميع المنتجات الإسلامية تخضع لاجتهادات القضاة في المحاكم، ما يفرز اختلافات عدة عند نشوء نزاعات».
وأشار إلى أن «المصرف المركزي هناك لا يجد صعوبة في تطبيق أنظمته على المصارف الإسلامية، فالجميع سواء أمامه، إضافة إلى أنه أطلق أخيراً منتج مرابحة السلع الدولية، وشهادات الإيداع الإسلامية، لتوفير أداة توظيف للسيولة الفائضة لدى المصارف الإسلامية»، مطالباً بوجود تشريعات خاصة تنظم عمل المصارف الإسلامية، وفق أسس شرعية، للقضاء على الاختلافات الحالية، وعدم ترك الأمور للجان الفتاوى التابعة للمصارف. وذكر العدل أن «المصارف الأجنبية جاءت إلى المنطقة، بعد أن لمست رغبة العديد من المتعاملين في إجراء معاملاتهم المصرفية وفق أسس شرعية»، داعياً إلى فك الارتباط بين المصارف الإسلامية والتقليدية، لأن الوضع الحالي أوجد ضغوطاً على إدارة المصارف الإسلامية من قبل مساهمين ومودعين باتوا يطالبون بعائدات وأرباح تماثل تلك التي تمنحها المصارف التقليدية، ما جعل الإدارات تتفنن في تحقيق أعلى مستويات من الربحية لإرضائهم، بعيداً عن الأهداف الرئيسة لعمل الصيرفة الإسلامية المتمثل في دعم القطاعات الإنتاجية، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، قبل التمويلات الاستهلاكية. وقال إن «تسعير خدمات المصارف الإسلامية حالياً يعكس هذه الثقافة، خصوصاً أن عدداً كبيراً من مسؤولي تلك المصارف، على الرغم من كفاءتهم، فإنهم جاؤوا من مصارف تقليدية، ولديهم ذهنية العمل المصرفي التقليدي التي تبقى متأثرة بطريقة العمل هناك».
وأوضح العدل أن «إشكالية التورق تكمن في وجود مدارس عدة، منها ما يجيزه، ومنها ما يعتبره تحايلاً، فهو من حيث الفكرة الشرعية جائز، ولكن تقنينه والعمل به بشكل منظم من قبل المصارف لاقى اعتراضاً من جمهور العلماء، وهنا يبرز دور لجنة فتوى شرعية مركزية تحسم أوجه الخلاف، وتوحّد عمل المصارف، خصوصاً في المنتجات المختلف على شرعيتها».
لا تجاوزات
قال مسؤول في المصرف المركزي، إن «جميع المصارف العاملة في الدولة، سواء كانت إسلامية أو تجارية، ملتزمة منذ عام ،1999 بتطبيق معايير المحاسبة الدولية، وتقدم ميزانياتها وفقاً لذلك».
وأكد أن «المصارف الإسلامية تستخدم المصطلحات الإسلامية، لكن لا يوجد فرق في التعامل معها من النواحي الرقابية»، مشيراً إلى أن «المركزي» يقوم بعميلات تفتيش دورية على جميع المصارف، ومنها «الإسلامية»، فضلاً عن أن هناك مراقبة جيدة لعمليات التورق التي تعمل وفقاً لها هذه المصارف، ولم نلاحظ أي تجاوزات يمكن أن تؤثر في سلامة النظام المصرفي، أو ملاءة المصارف وحمايتها من المخاطر.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news