مدرب آلي على المحادثة يحسن مهارات الأشخاص في التواصـــل الاجتماعي

«إم إيه سي إتش».. تقـــنية جديدة للتخلص من الرهاب الاجــــتماعي

الخوف من التحدث علانيةً أمام الآخرين من أكثر أنواع الرهاب الاجتماعي انتشاراً. أرشيفية

يعاني العديد من الأشخاص حول العالم أنواعاً مختلفة من الرهاب الاجتماعي، أو اضطراب القلق الاجتماعي، ومن بين أكثر الأنواع شيوعاً الخوف من التحدث علانيةً أمام الآخرين، كما يجد أصحاب متلازمة «إسبرجر»، التي تُصنف إحدى الدرجات البسيطة لـ«التوحد»، صعوبة في تكوين العلاقات الاجتماعية والتواصل بالعينين مع غيرهم.

وقد يتسبب العجز عن التواصل الاجتماعي بشكل جيد خسارة الشخص فرصاً لتكوين صداقات وعلاقات اجتماعية ناجحة، أو فرصاً للحصول على وظائف وبدء مشروعات مشتركة.

وتسعى تقنية جديدة إلى مساعدة الأشخاص على التغلب على بعض من هذه المشكلات، وتحسين مهاراتهم الاجتماعية من خلال «مدرب آلي» يُحاكي إجراء المحادثات المباشرة ويُحلِّل أداءهم خلالها.

وتحمل التقنية الجديدة اسم «إم إيه سي إتش»، ويجمع اسمها حروف أربع كلمات باللغة الانجليزية تعني «المدرب الآلي على المحادثة». وتعمل التقنية كبرنامج على أجهزة الكمبيوتر المحمولة العادية، وتتضمن صورة ثلاثية الأبعاد لشخص يستجيب للمستخدم بطرح الأسئلة والرد عليها، والابتسام، والإيماء بالرأس، لمحاكاة المحادثات المباشرة.

ويعتمد البرنامج على استخدام كاميرا الـ«ويب» لقياس تعبيرات الوجه وحركات المستخدم خلال المقابلة الافتراضية، كما يستخدم مُكبِّر الصوت للتعرف إلى طريقة الحديث.

ويُحلِّل البرنامج عناصر عدة، من بينها تعبيرات الوجه، مثل الابتسام وإيماءات الرأس، وسرعة وطريقة الكلام، مثل ارتفاع وانخفاض نبرة الصوت، وسرعة الكلام، وتكرار كلمات معينة خلال الحديث.

وجرى تطوير التقنية على مدار عامين جزءاً من أطروحة الدكتوراه للطالب في «مختبر وسائط الإعلام» في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، محمد إحسان حقي.

ويعتقد حقي أن بمقدور النظام الجديد مساعدة قطاعات واسعة من الناس بالنظر إلى أهمية التواصل الاجتماعي لإنجاح العلاقات الشخصية والعملية، قائلاً إن «المهارات الشخصية مفتاح النجاح في العمل والمنزل؛ وهي الكيفية التي نظهر بها، وننقل مشاعرنا للآخرين لنتيح لهم التعرف إلينا، لكن إلى الآن لا تتوافر كثير من الأدوات التي تساعد على تحسين هذا الجزء من التفاعل الاجتماعي».

ويرجع حقي فاعلية الطريقة التي يعتمد عليها برنامج «إم إيه سي إتش» إلى رغبة كثير ممن يعانون الرهاب الاجتماعي في الحصول على المساعدة في بيئاتهم الخاصة مثل المنزل، وتجربة إجراء المحادثات مرات عدة متى شاءوا، فضلاً عن تلقي تحليل لأدائهم بطريقة تحفظ الخصوصية.

وركز اختبار فاعلية النظام على استخدامه لمحاكاة مقابلات العمل، إذ أظهر اختبار النظام مع ‬90 طالباً متطوعاً في «معهد ماساتشوستس» أثراً إيجابياً في أداء المستخدمين خلال المحادثات.

وخلال الاختبارات، قُسِّم المتطوعون، وجميعهم من المتحدثين بالإنجليزية، إلى ثلاث مجموعات، إذ شاركت كل مجموعة في مقابلتين للعمل، بوجود مستشارين للتوظيف من المعهد خلال أسبوعين.

وفي الفترة الفاصلة بين المقابلتين، ومن دون علم المتخصصين بالتوظيف، تلقت كل مجموعة نوعاً مختلفاً من المساعدة بهدف قياس فاعلية برنامج المدرب الآلي على المحادثة؛ فشاهدت المجموعة الأولى مقاطع فيديو تعرض نصائح للنجاح في المقابلات الشخصية، واستخدم طلاب المجموعة الثانية المدرب الآلي من دون تلقي أي تحليل أو تعليق على طريقة حديثهم خلال المقابلة الافتراضية، وسُمح لهم فقط بمشاهدة فيديو لأدائهم.

في حين استخدمت المجموعة الثالثة من المتطوعين البرنامج مع مشاهدة فيديو لأدائها، وتحليلات تُوضِّح عدد المرات التي ابتسموا فيها، وكيفية تواصلهم بالعين خلال المقابلة، وتحليل مدى قدرتهم على التحكم في نبرة الصوت، وعدد المرات التي استخدموا فيها كلمات لملء الفراغ دون داع، على غرار: مثل، وبشكل أساسي، وهكذا.

وعقب المقابلة الثانية، رصد مستشارو التوظيف تحسناً ملحوظاً في أداء المجموعة الثالثة، وفق معايير من بينها: إظهار المشاركين لاهتمامهم بالوظائف المطروحة، وأدائهم العام خلال المقابلة، وارتفاع نسب ترشيحهم لنيل الوظائف. في حين حافظ المشاركون من المجموعتين الأخيرتين على مستواهم نفسه، من دون ظهور أي تحسن في أدائهم.

من جانبهم، أشار المشاركون في التجربة إلى ميزة اعتماد برنامج «إم إيه سي إتش» على شكل بشري بدلاً من وجه أو رسم كارتوني، كما رأوا أن البرنامج مكنهم من اكتشاف جوانب جديدة من سلوكياتهم.

وقال الأستاذ المساعد في علوم الحاسب الآلي وعلم النفس في جامعة «كاليفورنيا الجنوبية»، جونثان جراتش، إنه «في الوقت الذي يبدو فيه غريباً أن نستخدم أجهزة الكمبيوتر لتعليمنا كيف نتحدث بشكل أفضل للناس، تلعب مثل هذه البرامج دوراً مهماً في البرامج الشاملة لتعليم المهارات الاجتماعية، وربما تُمثِّل في نهاية المطاف خطوة أساسية في تطوير المهارات الرئيسة للتعامل مع الآخرين».

ويعتقد إحسان حقي، الذي أشرف على الدراسة، إضافة إلى مشاركة باحثين آخرين، أن إحدى ميزات تقنية المدرب الآلي غياب الجانب البشري، لافتاً إلى أن «من السهل التعبير عن الحقائق الموجعة من خلال برنامج لأنه موضوعي».

وحتى الآن لم يُطرح برنامج «المدرب الآلي على المحادثة» لعموم المستخدمين؛ إذ لايزال النظام يحتاج إلى مزيد من الاختبارات والتمويل المالي اللازم لطرحه، برنامجاً، أو عبر موقع على الإنترنت.

ويطمح القائمون على البرنامج إلى تطويره ليتمكن المستخدمون من تجربته عبر منصات مختلفة وحفظ تجاربهم، فضلاً عن عرض البرنامج لرسوم بيانية وجداول تقارن بين أدائهم في كل مرة، وتقيس مستواهم في المحادثات إلى نماذج محددة تتمتع بخلفيات تعليمية ووظيفية معينة.

كما يجري العمل على تحسين قدرة البرنامج على معالجة اللغات الطبيعية وتحليل المشاعر ليُتيح فهماً أفضل لأداء المستخدمين، وكذلك تأهيله للتدريب على أنواع مختلفة من التواصل الاجتماعي من دون الاقتصار على مقابلات العمل.

وستُعرض ورقة علمية تشرح تقنية مدرب المحادثة «إم إيه سي إتش» ونتائج اختبار البرنامج خلال مؤتمر «يوبي كومب» السنوي، الذي يتناول انتشار الحوسبة، والمُقرر عقده في مدينة زيوريخ السويسرية سبتمبر المقبل.

تويتر